تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وناهيكم بها سعة تروعنا، نحن الناطقين بالضاد، وتملأ أذهاننا وقلوبنا وأرواحنا إعجابا وفتنة وسحرا، بيد أن الأمة العربية بالبداهة ليست وحيدة في هذا الكون، وهناك إلى جانبها أمم أخرى ذات شأن لا تشعر بأي مركب نقص تجاهنا رغم أننا نطويها جميعا تحت لفظ «الأعاجم»، بل إن من هذه الأمم مجموعة لا يتسهان بها تمضي إلى أبعد من ذلك فتنفي علينا ملكة الإفصاح وحسن التعبير، ومنها من يجادل في قابلية بياننا الصريح لأداء الفكر الذي يرقى عن أغراض الحياة الدنيا إلى سماء التجريد زاعما أن العلم يدلل على ذلك، وإذا كانت الفلسفة أرقى أشكال التفكير المجرد كما هو معلوم، (اذكروا كيف كان أريستوفان يمثل سقراط في محفة معلقة بين السماء والأرض)، وإذا صح قول جان سكوت إيريجين أن ما من أحد يلج ملكوت السموات إلا من باب الفلسفة، فمعنى ما تقدم أننا عاجزون عن الرقي إلى أجواء التفكير الجدي والنظر العقلي، وإننا في تلك الميادين الرفيعة مقضي علينا أن نظل كالطيور زغب الحواصل قاصرين مقصرين.

وحسبكم من تأكيد كهذا يرسل باسم العلم أن مآله إلى سبة دائمة على وجه الدهر تلحق بأمة تعتبر نفسها خير أمة أخرجت للناس، ولو لم يكن من خطر هذه الوصمة إلا أنها تشكك المرء بقيمة ذاته فضلا عن تشكيك الآخرين بمثل تلك القيمة لكفى بذلك حافزا إلى تحليلها وتمحيصها ورجع البصر فيها كرتين، وإذن، فنحن نحب في هذه المحاضرة أن نعالج هذه المشكلة مدبرين وجوه القول فيها، عارضين عليكم حجج أصحابها بصورة موضوعية، ثم معترضين على ما يكون فيها من مواطن الضعف لا مسوقين بفكرة سابقة ولا صادرين عن غرور واهم أو عصبية عمياء، وإنما نمارس في هذا عملية النقد بالمعنى المنزه عن الغرض الذي كان البدوي الأول أسرع إلى استعماله يوم قال في ناقته:

تنفي يداها الحصا في كل هاجرة *** نفي الدراهم تنقاد الصياريف

إلا أن هذه العموميات ممعنة في التبسيط، والمشكلة أعقد مما نظن، فهي محتاجة إلى جهد تحليلي قد يؤول إلى عكس ما يتبادر إلى الذهن ـ بادئ الرأي ـ من أن اللغة مرآة الفكر فلننر مصباحا قليلا قبل الدخول في جوف الموضوع، ولنضع الصورة في إطارها العام.

ولنبتدئ فنقرر أنه لم يعد يجادل أحد اليوم في معضلة طالما شغلت الباحثين، وهي التساؤل عن اللغة أهي وحي نزل كاملا على قلوب طائفة من بني آدم ولا يد لهم في تبديل خلقه، أم هي مجرد إصلاح اتفق عليه البشر اتفاقا بصورة من الصور، وقديما خاض الإمام السيوطي صاحب المزهر في هذه المسألة بالتطويل وعرض لآراء من يقولون إنها «توقيف» متخذين دليلا من قوله تعالى (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا) [البقرة: 31]، ثم بين حجج من جزموا بأنها (وضع) و (تواطؤ)، كما أن مفكري العصور الحديثة لم يفتهم الجدل حول هذا الشأن، ومن أواخر أصحاب النظرة الأولى التي تجعل اللغات ضروبا من السجايا الغريزية موهوبة من تلقاء الفطرة البيولوجية جوزيف دوميسترو دوبونالد، ومن الذين جعلوها غريزة عقلية رونان وتين، إلا أن اتجاه العلم البسيكولوجي والسوسيولوجي الحاضر قائم على التسليم بأنها وضع اجتماعي لا مجال للشك فيه. وعلى الرغم من أن تقرير هذا الأمر ينفي كون اللغة ظاهرة (حيوية) تتفاوت بتفاوت العروق وتستلزم تبعا لهذا أن تطورها راجع إلى قوانين خارجة عن جبلة البشر الطبيعة، وحتى عن إرادتهم الاعتباطية، فإن مما لا جدال فيه أيضا أن اللغة لا تقوم إلا في الأذهان وأن ذلك التطور لا معنى له إلا إذا تم في أفهام تتفاعل ديناميكيا مع ما حمل إليها، فمن هنا كان للمعضلة جانب نفسي يجب أن يؤخذ في الاعتبار، ولابد من إدخال عوامل تصورية آنية إلى جانب عوامل التطور الخارجية الموضوعية، وهذه المسلمة هي ما اعتمده رجل مثل السيد فاندريس عميد كلية آداب باريز السابق، وهو من أئمة علم الاشتقاق في كتابه الشهير: اللغة

ذهابا من هذه النقطة خاض العلماء في طبيعة اللغة وصلتها بالتفكير، ولاحظوا أن اللغة إنما هي تعبير رمزي عن التأثرات الداخيلة للكائن الحي، فالانفعالات المختلفة التي تعتلج في صدور الأحياء لا تلبث في مبدأ أمرها أن تتلبس سحنة ظاهرة تتجلى بالملامح لكي تفصح عن ذاتها للآخرين، وما ائتلاق الحدق، وانفتاح الأوداج وتحريق الأرم، ولجلجة الصوت إلا آيات عفوية أولية بها يتميز الحيوان من الغيظ، لكنه مذ يتم للكائن الذكي مستوى عقلي مرتفع من شأنه القدرة على التحكم الإرادي بالصوت جاعلا إياه إشارة على غرض من الأغراض الباطنة، أي عند ما تتوفر للفرد ملكة الربط بين اللفظ والمعنى يصطنع النطق المفيد أو لغة الخطاب سبيلا للإبانة عن ذات نفسه. نعم إن هناك أحوالا من التفكير أشار العلم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٣٢