هكذا تصدر عن العلامة، وعن الإشارة، وعن الرمز أعمال جسمية يتدخل فيها العقل: إن رد الفعل حكم يؤمر بتنفيذه (اللون الأحمر يشير إلى الخطر إذن، فيجب أن أوقف السيارة) فالعلامة والإشارة والرمز تخبرنا، وتأمرنا (ومن هنا فهي تقرير للواقع وأحكام، ثم إنها، أحيانا تفرض علينا أن نقوم بردود ـ فعل، ومن هنا تصدر أحكاما تقويمية).
إن السيكولوجيا المرضية والتحليل النفساني يعتمدان كثيرا على الرموز والإشارات والعلامات، لدراسة الشخصيات غير السوية:
فالرمز: شيء مادي محسوس له قوة تمثيلية تجعلنا نتجاوز ماديته إلى دلالة معنوية.
والإشارة: نتيجة صادرة عن عمل إنساني يرمي إلى غاية، أي أن الإشارة موجهة، الغرض منها إقرار واقع خارجي وإبلاغه للآخرين.
والعلامة: إما شيء طبيعي يصدر بكيفية مستقلة عن كل قصد أو سلوك موجه) مثلا سعال المريض، أو سقوط الأوراق في الخريف .. ) وأما شيء اصطلاحي تكسبه ماديته معنى خاصا، مؤقتا أو قارا.
فالرمز، والإشارة، والعلامة، إذن، أدوات تعبيرية، لأن التعبير نتيجة سلوك إنساني (أو جزء من هذا السلوك) يستهدف ترجمة حالة من الأحوال الشخصية، أو على الأقل، يترجم عما في هذه الحالة قابل للإبلاغ، قابل لأن يكون أداة تواصل.
* * *
هذه هي أنواع الإشارات، وقد عرضناها منفصلة الواحدة عن الأخرى، فلننظر إليها الآن متكاملة متداخلة منسجمة في الظاهرات الأساسية لسلوكنا، مثلا:
اللغة: هي الواقع المباشر الذي يتحقق فيه التفكير والوعي، إن اللغة انعكاس العالم المادي في فكرنا ووعينا، إنها المادة الطبيعية التي يختمر فيها التفكير ويتمخض عنها التواصل بين الناس. نعم، اللغة، إما مجموعة أصوات وإما علامات مكتوبة، فالمفهوم لا يأتي من هذه الأصوات والعلامات، ولكن من التصاقها بشعور من صدرت عنه، وحلولها بشعور سامعها أو الناظر إليها. فاللغة، إذن، تعابير تتعدى المظهر المادي المحسوس: إنها مجموعة روابط تنشأ بين شعوري كمتكلم أو ككاتب، وشعور مخاطبي وقرائي، حاضرا واستقبالا (عن طريق تسجيل الصوت أو المخطوطات أو المطبوعات).
والدين: يعني بالمصير الإنساني يدفع المؤمنين إلى التعالي، متجاوزا عالم المحسوسات، بيد أن الدين في نفس الوقت مجموعة طقوس يعبر بها عن عواطف متافيزيقية مقدسة وعن معتقدات تتعلق بعالم الغيب، وبصدى وانفعال تلك المعتقدات في وجدان المؤمن وسلوكه.
والفن: يخلق أشكالا تعبر عن ميل للتناسق وتحقيق معايير جمالية مشتركة. فليست مختلف الحقول الفنية إلا أساليب تعبيرية مختلفة، الفن مجموعة من أشكال الوعي المجتمعي من ميادين المعرفة.
والعلم: منظومة مجموع ما وصلت إليه التجارب الإنسانية من معلومات عن الطبيعة وعن الكائن البشري وعن البيئات الإنسانية، عبر التاريخ. مهمة العلم أن يترجم بعلامات وإشارات ورموز، الظاهرات الكونية والبشرية، وأن يعبر عن الحتمية التي تنسق العلاقات بين القوانين التي تنظم السير العام في الكون.
والدستور: يحدد كيف يجب أن يكون السلوك الفردي والسلوك الجماعي، ويخط نطاق الأعمال المشتركة (التجارة، والأمن الداخلي والخارجي، والسياسة الاقتصادية .. ) فالدستور لغة من حيث شكله (لأنه مكتوب) ولغة من حيث محتواه (لأنه مجموعة تعابير عن إرادة المشرع).
* * *
هكذا نرى أن اللغة تتركز في جسمنا، وهي محور حياتنا الفكرية، والوجدانية، والمجتمعية، إنها لا تنفصل عن مجموع الفعاليات الإنسانية. لذلك لا يجوز أن تدرس مشكلة التعريب، وبصفة أعم مشكلة التعيبر، منعزلة عن سير التاريخ الحضاري الإنساني، وعن الدور الذي لعبه العرب في الماضي، وعن الدور الذي يجب أن يلعبوه اليوم بالنسبة للحضارة الإنسانية المشتركة. فاللغة أي لغة، لا تحيا إلا حين تنتشر الثقافة، إلا حيث يسود الفكر الخلاق، فكلما شجع المثقفون على القيام بمهامهم تقوت اللغة وكان رد الفعل لهذا التشجيع أن اللغة بدورها تنمي انتشار الثقافة والمساهمة في رقي الحضارة، إن أسس الحضارة هي المعتقدات والفنون والعلم والدساتير .. وما اللغات إلا منظومات من الوسائل للتعبير عن تلك الأسس ولنوعيتها في الأفراد والبيئات، فليست الثقافات الوطنية ولا الحضارة الإنسانية إلا تفاعلا مستمرا بين المعاني والتعبير عنها.
ـ يتبع ـ
الرباط ـ محمد عزيز الحبابي
عميد كلية الآداب