أصناف الإشارة:
لقد قلنا أن الكلمات إشارات، لكن، يجدر بنا أن نفرق بين الإشارات والرمز، فالرمز إشارة مصورة، لها شكل يحتوي على صلة معقولة تربطه بالشيء، أو بالفكرة، أو بالحركة، عن هذه الصلة تخاطب العقل فيفهمها. هذا معنى أول للرمز، أما المعنى الثاني فيجعل من الرمز اصطلاحا مجردا، «شيئا» اعتباطيا، أي إشارة خاصة تتكيف لتصير جهازا تفسيريا مركبا، وفي وقت واحد أداة استعمال هذا الجهاز. فلابد للرمز من أن يتوفر على مجموعة من صفات تحدد العمليات التي يتضمنها والتي تقصد من وجوده، (مثل الرموز الرياضية). على أن المعنيين المتقدمين لا يتناقضان بل على العكس، يتصلان: ففي كليهما دلالة واختصاص. فالرموز المصور ليس أقرب إلى الطبيعة من الرمز الاصطلاحي، فلنأخذ تمثالا من مرمر ولنتأمله فإذا أعجبنا بقدرة الفنان الذي صنعه، وبهرنا بالدقة التي نحتت بها العينان، وبالمهارة التي صورت بها الملابس إلى غير ذلك، حصل بيننا (كذوات)، وبين التمثال (كموضوع) تواصل وشبه حوار صامت. إن هذا التمثال، أو بتعبير أصح، هذا الرمز يعبر عن شيئين أولا عن انتصار الإنسان على المادة التي صنع منها التمثال، ويرمز ثانيا إلى المعنى الذي نسبغه عليه (انتصار، أو موت، أو ثورة .. ) فللرمز، إذن وظيفة مزدوجة: إنه تعبير في حد ذاته (في المعنى الأول) وهو محرض على التعبير (في المعنى الثاني)، ثم إن الرمز يعكس إشارة، ويتجلى كحركة إنسانية، كعمل صادر عن قصد: فتمثال «الليل» لـ (ليونارد دي فانسي) يدل على بؤس إيطاليا وعلى الشقاء عند الإنسانية عامة، والتمثال التذكاري ببورسعيد، يعود بنا إلى العدوان الثلاثي على قناة السويس وذكرياته الأليمة، وتمثال محمد الخامس بالمتحف الشعبي بحي الليمون في الرباط، يمجد به الفنان أحمد الإدريسي انتصار القوات التحررية على الاستعمار، كل ذلك صفحات تاريخية غير مكتوبة، ولكنها فصيحة.
* * *
يجب أن نضيف إلى الإشارة والرمز، عنصرا تعبيريا ثالثا، هو العلامة، فالإشارة تعتمد على علامات مثلا: الألوان المنظمة لسير السيارات بالمدن:
الأحمر: خطر = قف!
الأخضر: سلم = تحرك!
فموقفنا من هذين اللونين يختلف من الإيجاب إلى السلب. هناك لون آخر، هو الأصفر، الذي يدل على الحياد = تهيأ، إنه يستلزم موقفا ثالثا، قد يكون إيجابيا أو سلبيا للسير أو الوقوف. إن الإشارات تهدف إلى تكييف سلوكنا من بعض الوجود: فالهندام، والأناقة، وتأثيت البيت، تعابير حضارية، ونفس الشيء يقال عن طرق الأكل واللباس.
ويحكى في المغرب، عن شاعر من شعراء الملحون السيد عبد الرحمن المجذوب دفين مكناس، إنه ذهب يوما لوليمة كبرى وقد لبس جلبابا وسخا وسلهاما باليا، فلما دخل إلى دار الحفلة، قيد إلى جانب السوقة والطفيليين، فاغتاظ من ذلك، وقصد توا منزله فلبس ثيابا نظيفة ملائمة، ثم رجع إلى الوليمة فاستقبل باحترام وترحيب يلائم مكانته، وأنزل في جهة الضيوف، وعند الطعام، أخذ يغمس كمه في الطاجين ويقول: (كل يا كمي .. إنك المستدعى لا أنا .. )
ماذا نستخلصه من هذه الحكاية؟ إن المظهر الخارجي من العناصر الأساسية التي تكون شخصيتنا المجتمعية، ذلك أن الـ «أنا» لا ينحصر في الكينونة.
بل إنه الكائن والعندية أو التملك ( L'être et l'avoir) فالسيد عبد الرحمن المجذوب لم يكن على صواب عندما غضب لما حصل له، ذلك أن المجتمع لا يستطيع أن يتعرف على أي شخص إلا من خلال أفق مزدوج: ما هو هذا الشخص وما له.
فالعندية مجموعة إشارات ضرورية للتعريف تتجلى في المظاهر الخارجية، من ثياب، وأناقة والهندسة المعمارية، والزخرفة، وكل ذلك إشارات حضارية مميزة.
للعلامات الخارجية قيمة مجتمعية هامة، خصوصا العلامة القصدية، إنها تهدف إلى ردود أفعال مستعجلة مثلا: السعال يشير إلى وجود زكام أو إصابة صدرية، أما السعال المصطنع فيدل على التهكم لأن له معنى خاصا يتعدى به مستوى العلامة إلى مستوى الإشارة، ولكنه يبقى دون الرمز، ما دامت لا تدخل فيه الصورة، فالعلامة، ولو نتجت أحيانا عن عمل إنساني، ليست إلا جزءا من شيء، وهذه الصفة وسيلة للمعرفة (السعال يحدد موقف الطبيب ونتائج الفحص الطبي، ويحدد سلوك المريض ومن حول المريض، كالوقاية من العدوى ومراعاة ما يسهل معالجة المريض).