في بيئة بشرية، حيث تخبر، وتغير، وتدفع إلى التفاعل. فالكلمات نقطة انطلاق الأعمال الفردية والجماعية، إنها منبع الحياة ومنبع الوجود، بالنسبة للصور والأفكار.
* * *
دور الفعل:
أهم أصناف الكلمات هي الأفعال إذ عليها تتأسس الجمل: الفعل يحدد الزمن، ونوع الحركة أو الحالة. لقد أتهم بعضهم اللغة العربية بالعقم، لأن وضعية الفعل فيها وضعية فقر، إذ أشكال الفعل العربي قليلة جدا إذا قورنت بعدد أشكال الفعل في اللغات الهندية ـ الأوربية. فالفعل في لغتنا العربية لا يتعدى شكلين أساسيين، الماضي والمضارع (أما الأمر فهو صورة من المضارع يدل على معنى خاص).
هذا هو الاعتراض الأول وهو اعتراض وجيه، ومما يجدر بالذكر أن فقهاء اللغة العربية قد لاحظوا ذلك قديما، وأقره نحاة الكوفة، كابن الأنباري، (*) لكن الذي قد غاب على المعترضين هو اهتمام اللغويين العرب في عصور الازدهار، بالأفعال، وكيف كانوا مجددين ثوريين إلى حد أنهم اشتقوا الأفعال من أصول جامدة، فمثلا: لفظة «اسم» كلمة قديمة توجد في اللغات السامية الأخرى، أخذها العرب واشتقوا منها «سمى، يسمى» ومثل هذا بالنسبة إلى «رأس» الذي أعطى «ترأس» و «وتبنى» من «ابن». فنحن اليوم لا نحدث بدعا عندما نشتق شيئا، وكيف، وحين، وزمن، وأطر من شيء وكيف وحين وزمان وإطار. فعلام ضجة الجامدين؟. وقد تغافل أيضا الناقدون أن لغتنا تجعل الفعل في مكان الصدارة من الجملة، أقول: «الصدارة» لا البداية، لأن الجملة الإسمية وإن بدأت بالإسم تؤول وتركز على اعتبار أن الفعل هو الأساس (*) فإذا قلنا، مثلا «إن الليلة باردة» انعدمت كل فائدة من هذه الجملة إذا لم تفهم البرودة في علاقتها بذات تقول: «أشعر بالبرد، هذه الليلة» أو خذ معطفك، إن الليلة باردة».
ثم إن الأسماء هي أيضا، «فاعل» وإما «مفعول» فالفعل، هو المحدد لحركة الإسم، يرفعه أو ينصبه سواء تقدم أم تأخر وسواء كان مذكورا أم مقدرا.
ونزيد على ذلك أن الأقدمين قد عدوا (ليس) من بين الأفعال وهي أداة نفي. أما الاعتراض الثاني فيتعدى قلة أشكال الفعل في العربية إلى اتهام هذه اللغة بالخلط بين أنماط الزمن. يضرب المنتقدون على ذلك مثلا بتداخل الفترات الزمانية في الآية القرآنية (البقرة 2 ـ 91): (قل: فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين؟). فالقتل قد وقع (من قبل) في حين أن الآية تعبر عنه بالمضارع الذي يدل على الحال أو المستقبل.
نعم، هذا صحيح، ولكن من حيث الصيغة فحسب، إن جميع القصصيين اليوم يستعملون هذه الطريقة لجعل القارئ أو السامع يتصور الأحداث الماضية وكأنها تمر حاليا أمامه، كأنه يشارك فيما يقص عليه (*) لقد فطن قدماء النحويين ورجال البلاغة والتفسير إلى تداخل أنماط الزمن في الجملة الواحدة ذات المعنى التام المستقل، فالزمخشري في الكشاف، عندما وصل إلى الآية (فريق كذبوا، وفريق يقتلون) علق عليها بما يأتي: «فإن قيل: لم جيء بأحد الفصلين ماضيا والآخر مضارعا؟ قلت: جيء يقتلون على حكاية الحال الماضية استعظاما للقتل واستحضارا لتلك الحال الشنيعة للتعجب منها» (*).
*) في كتاب «الإنصاف» المسألة 72.
*) أنظر ابراهيم السامراثي (دراسات في اللغة) بغداد 1961 ص 42 إلى 50.
*) تعرف هذه الطريقة عند الفرنسيين بـ Le présent de narration وهو لون حي من ألوان البيان يسمى في العربية (حكاية الحال).
*) ج 1 ص 270 الطبعة العامة الشرقية سنة 1307. وفي تفسيره للآية (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت) يعطينا الشرح الآتي: (فأن قلت: لم جاء فتثير على المضارع دون ما قبله وما بعده؟ قلت: ليحكي الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب، وتستحضر تلك الصور البديعة الدالة على القدرة الربانية، هكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب أو تهم المخاطب، أو غير ذلك) ج 2 ص 239.