قدميه) هزنا شعور عنيف، فتنفتح أعيننا على لوحة من أروع وأحيى اللوحات الفنية.
إن التعبير عن شيء بمثابة خلق جديد لذلك الشيء، لأنه تعيين، وتحديد، وتحقيق لهويته.
* * *
إذا تأملت في شيء فإني، في الواقع، أقوم بتعيينه، مادامت العملية التي تميز بها الأشياء تحمل ضمنيا، معنى أو معاني، والمعنى هو الرابطة التي تجمع بين حياتي الفكرية وبين العالم. فإذا عدت لا أسمي ما في العالم، أي لا أرى الأشياء تجسم ما في ذهني من معاني، وفي شعوري من إحساسات، ولا توحي إلي معاني وإحساسات أخرى، أمسيت أجنبيا في العالم وأجنبيا بالنسبة لذاتي، فلا تتم وحدة (الأنا) إلا في عالم المسميات. فإذا اضمحلت قوتي على التعبير، انفجرت وحدتي الذاتية (أمراض الشخصية).
للوجدان الفردي قوة تخوله التأليف بين ما في العالم من متناقضات وعناصر متباينة، وفي نفس الوقت توحد بين مختلف العمليات الفكرية المتنوعة، فالوجدان هو مقر المعاني ومصنعها، تصدر عنه ولصالحه، لأنه يحيا بها ولها.
إن واقعية الشعور لا تتجلى إلا في المعاني التي نجدها في العالم، فنطلقها على الأشياء والكائنات والمعاني التي نريد أن نعطيها للعالم ولمعالم العالم.
فالمعنى شيء مجرد ينتج عن عمليات ذهنية مختلفة تكاملية: يتخيل الفكر الأشكال (والعالم كله أشكال) ويدخل التخيل على الأشكال رمزية فتتكون لدينا صور، أما الذاكرة فتحتفظ بشيء يبتعد عن الشكل بقدر ما يقترب من الصور، ويبتعد عن الصورة لأنه في صميمه شكل: هذا هو المعنى، نعني شيئا بين الشكل والصورة، أما عملية التذكر فجهاز تجاذبي حيث لكل معنى ميل طبيعي للتداعي مع معاني أخرى، فلا حقيقة للمعنى المنفصل.
يتم التنسيق بين كل هذه الفعاليات داخل الوجدان، ففيه تقع عملية التوليد الأخيرة للمعاني، أي للإشارة، وهل الإشارة، في الواقع، إلا حركة مع دلالة؟ وأكبر ما تمتاز به الإشارات أنه لا غاية لها في ذاتها ربما كانت الإشارة محسوسة (لوحة زيتية ـ لحن موسيقى ـ لافتة .. ) لكن لها دائما غاية تتعالى فوق واقعيتها المادية. والألفاظ، كذلك إن هي إلا إشارات في أفق تهيمن عليه مدلولات، فما الجمال مثلا؟ أنه حقيقة نعترف بوجودها وتأثيرها في واقعنا، ولكن ليس من بيننا من يستطيع أن يحدد (معنى الجمال) في تعريف ما:
اعتباراتنا شتى وحسنك واحد
وكل إلى ذلك الجمال يشير)
إذن، الإشارة وسيلة، وبما أن كل المفردات إنما هي أشارات كما قدمنا نستخلص أن اللغة آلة تحل محل شيء آخر هو المعاني.
والمعنى لا يتولد عن حروف مقطعة، بل عن كلمة، أو على الأصح، عن كلمات نظمت على نسق خاص. ففي داخل هذا النسق تأخذ كل كلمة كثافتها وثقالتها، قد تقع ولادة المعنى دفعة واحدة كالبرق. ولكن غالبا ما يحصل المعنى بشيء من التدريج مثله في ذلك مثل زيت أو مداد فوق الورق النشاف: تنتشر حولها بسرعة وتدريجيا في آن واحد. فاللغة، على هذا، تستهدف خلق أفق يتعدى نطاق الكلمات في الكلمات، وب ـ الكلمات، ولكنه فوق ـ الكلمات وأبعد من الكلمات. نسمي هذا الأفق بـ الميطالغة (*)
* * *
إن اللغة صور محسوسة ظاهرة يتكيف فيها الوجدان الفردي ليتفهم ذاتيته، وليعبر عن مكنوناته، وليتصل بشعور الآخرين. فحتى في المنام يفعل الحالم حركات، أو يتحدث جهرا، وذلك إلحاح من الذات التي تركز حيويتها عن طريق الحواس.
فليس لأية قدرة من القدرات العقلية (تفكير إرادة، تخيل .. ) من سبيل إلى القيام بمهامها دون الصور الجسمية أو الكلامية. فكل فكرة لا تصدر إلا عن طريق الإشارة. والروابط التي توجد بين الأشياء لن تستطيع، أبدا، أن تظهر لنا لولا وساطة الكلمات، أي الإشارات الفكرية التي تستعملها للتقدير، والترتيب والفهم، وغالبا ما تصاحب الكلمة حركات (ابتسامة، أو دمعة، أو تهديد بضم الأصابع في الكف مع مد اليد). فالكلمات بوصفها إشارات لابد لها أن تتشيا
*) كما نقول (الميطافيزقيا) أي ما وراء وفوق الطبيعة الفيزيائية.