تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رواية مسلم من عظمة الرجل، وما نصت عليه رواية أبي داود من أنه كان عبدا، غير أن هذا الظاهر من التناقض يذهب متى علمنا أن الرسول «ص» قال: «إخوانكم خولكم» في كل من رواية مسلم وأبي داود وغيرهما، فقد بين أن العبيد إخوان السادة، إذ لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» وقد نبه الله إلى ذلك بقوله: «إنما المؤمنون إخوة»، ولم يفرق بين سيد وخادم في ذلك ..

قوله: «سابت رجلا» معناه: وقعت بيني وبينه مسابة أي شاتمته، والمسابة مأخوذة من السب، فالمسابة فيها مقاطعة بين المتسابين أو قطع للمسبوب عن اللحاق بمن سبه، ولفظ الحديث يدل على أن السب قد حصل من الجانبين أخذا من المفاعلة، وقد صرحت رواية مسلم بما يفيد هذا، إذ جاء فيها .. «قال أعيرته بأمه؟» فقلت: من سب الرجال سبوا أباه وأمه».

قوله: «أعيرته بأمه؟ أي نسبته إلى العار بسبب أمه، وذلك لأنه قال له: «يا ابن السوداء»، كما يدل عليه ما جاء في رواية مسلم، قال: أعيرته بأمه؟ فقلت: «من سب الرجال سبوا أباه وأمه» فقوله «وأمه» يشعر بأنه زاد بتعييره بأمه، لو كان التعيير غير زائد على السب لقال: «من سب الرجال سبوه».

قوله: «أعيرته بأمه؟» قول للرسول عليه السلام، وظاهر أنه استفهام إنكاري، ولهذا قال الرسول عليه السلام، عقب هذا الإنكار: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، ولم يتبين من حديثنا ما إذا كان الرسول كان سامعا لهذا السب فتلكم بناء على ذلك مع أبي ذر، أم بلغه فقال ما قال، ولكن رواية أبي داود تبين وجه المسألة، إذ جاء فيها فعيرته بأمه فشكاني إلى رسول الله «ص» فقال: يا أبا ذر ... إلخ.

قوله: «فيك جاهلية» أصل الجاهلية، الفترة قبل الإسلام، ولكن المراد هنا فيك خصلة من خصال الجاهلية، فالرسول يزيد على توبيخه في الجملة السابقة بالإفصاح في هذه الجملة عن أن التعيير بالأمهات من الخصال التي تتنافر مع خصال الإسلام، فيكون من قوله «أعيرته بأمه» وقوله: «إنك امرؤ فيك جاهلية» كمال الاتصال، نظرا إلى الثانية جاءت مقررة للمراد منها وإن خالفتها في اللفظ، ومن هنا فصلت عنها ولم تعطف عليها. ونحن إذا استعرضنا خصال الجاهلية التي هي معاصي وجدناها الشرك وما هو دون الشرك مما عده الإسلام من كبائر الذنوب أو صغائرها، ولا جائز أن المراد هنا الشرك ونحوه كالكفر، لأن منزلة أبي ذر رضي الله عنه من الإيمان كانت في الذروة، وليس من المعاصي غير الشرك ما يجعل صاحبه كافرا، اللهم إلا عند الخوارج فإنهم يكفرون ببعض الذنوب ولكن النص القرآني يرد هذا الزعم بقوله: «إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون» فقد اعتبر المعاصي قسمين: أولا: قسم لا يغفره الله وهو الشرك، وثانيا: قسم يغفره إن شاء، وهو ما دون الشرك، ولسنا نريد بالشرك الذي لا يغفر ما لا يعم الكفر، بل المراد منه ما يعمه، ضرورة أن من آمن بالوحدانية وكفر بمحمد «ص» يكون ممن لا يغفر لهم، لقوله التالي في آية أخرى: «إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين أولئك هم شر البرية في نار جهنم خالدين فيها،».

والظاهر أن هذا التعبير الذي حدث من أبي ذر كان قبل أن يعرف أن هذا محرم، فكانت هذه لا تزال باقية عنده، ويشير إلى هذا ما جاء في رواية البخاري لهذا الحديث في كتاب الأدب: «قلت عله ساعتي هذه تعجب من خفاء هذا الحكم عليه مع كبر سنه.

قوله: «إخوانكم خولكم» الإخوة هنا مجاز عن مطلق القرابة، لأن الكل أولاد آدم، أو مجاز عن أخوة الإسلام، وعلى الأخير يكون المماليك الكفرة تابعين للمماليك المؤمنين في هذا الحكم، قياسا عليهم، أي أنهم يكونون كالمماليك المؤمنين في مستلزمات الأخوة الإسلامية كحسن المعاملة، وإعانتهم فيما يثقل عليهم، «والخول» جمع خايل وهو الراعي، أو الخادم، وكل هؤلاء يقومون بالخدمة، فهم يتخولون شؤون مخدوميهم أي يصلحونها، أخذا من قولهم: خال المال يخوله إذا أصلحه وأحسن القيام عليه، والظاهر من سياق الحديث أنه يريد أن يخبر عن الخول بأنهم إخوان لمخدوميهم فكان مقتضى هذا الظاهر أن يقول: «خولكم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٢٤