تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إخوانكم» ولكن عدل عن هذا بتقديم الخبر على المبتدأ للاهتمام بالإخوة التي يريد أن يسبغها على هؤلاء الخادمين، وليكون في ذلك إفادة قصر الخول على كونهم إخوانا، أي ليسو إلا إخوانا، وهذا مما يستوجب الإحسان إليهم، وترشيح هذا وصاية بهم بقوله في آخر الحديث: «فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ... إلخ، وكذا قوله: المؤمن أخو المؤمن، سبابه فسوق، وقتاله كفر» فلم يفرق بين الخدم وغيرهم، ولكن كثيرا منا تأخذه العزة بالإثم، فيظن الخدم جنسا دون جنسه، فمثل هؤلاء مخالفون لأصول الدين، التي لو راعيناها لحمتنا من المبادئ الهدامة.

قوله: «جعلهم الله تحت أيديكم» أي أن أيديكم مبسوطة عليهم، هذا مجاز عن قدرة السادة أو تملكهم لعبيدهم. قوله: «فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس» الأصل في الأمر أن يكون لإيجاد المطلوب، لكنهم قالوا .. إن الأمر هنا خرج عن أصله إلى الاستحباب، وسندهم في هذا ما حكوه من الإجماع على ذلك، فيكون المعنى: يستحب أن يطعمه من جنس ما يأكله ويلبسه إلخ .. » ولو أطعمه ما بقوته ولو لم يكن من جنس ما يأكل لكان قد أدى الواجب، وكذا لو ألبسه مما يقيه الحر والبرد وإن لم يكن من جنس ما يلبس. فيكون أبو ذر في عمله متورعا، يأتي بأوسع مما يستلزمه الأمر ..

قوله: «لا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتوهم فأعينوهم» التكليف الأمر بما فيه كلفة ومشقة، وليست مطلق المشقة في العمل مما يجعله داخلا تحت النهي الذي هنا، بل الذي يجعله داخلا هو المشقة التي يصعب معها العمل، لذا قال: ما يغلبهم، أي لا تأمروهم أن يقوموا بما يغلبهم وتعجز قدرتهم عن القيام به، ثم استدرك على هذا فقال: «فإن كلفتموهم» أي ما يغلبهم فأعينوهم، أي ساعدوهم على عمله، فمفعول كلفتموهم محذوف، لدلالة ما قبله عليه.

«ما يستنبط من هذا الحديث»

1 ـ الكف عن سب الخدم أحرارا كانوا أم عبيدا وكذا من يماثلهم في الخدمة من الأجراء الذين قد يحتاج إليهم لأداء عمل ما، فلا يجوز لأحد تعييرهم بشيء من مكروه يعرفه في خاصة أنفسهم أو آبائهم.

2 ـ عدم الترفع على المسلم ولو كان عبدا أو خادما أو نحوهم من الضعفاء، فقد تضافرت الأدلة على التلطف بهم وعدم احتقارهم، ولقد أمر الرسول (ص) نفسه ـ وهو من هو في علو الخلق ـ بخفض الجناح للمؤمنين في قوله تعالى: «واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين» .. فإن في ذلك تقوية للوحدة، وتوثيقا للتعاون، ولا صلاح لأمة إلا بذلك.

3 ـ العمل على إطعام الخدم مما يطعم مخدومهم، وإلباسهم مما يلبسون بحيث ترضى نفوسهم، ولا يتولد الحقد في قلوبهم على أسيادهم.

4 ـ عدم تكليفهم ما لا يطيقون من الأعمال، سواء أكانت عدم الطاقة ناشئة من استدامة العمل أو عدم القدرة عليه من الأصل، فإن كلفناهم بذلك وجب علينا إعانتهم، وعلى هذا يكون أرباب الأعمال الذين يستخدمون الإجراء، ويضطرونهم إلى العمل المتواصل ساعات طويلة من الليل، فلا يتركون لإجرائهم من الوقت ما يقضون فيه حوائجهم مخالفين لمقتضى هذا الأمر العظيم ..

طنجة ـ محمد كمال شبانه

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٢٥