تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع4 /يناير 1963 .................... ص 20

اشتراكية الإسلام

للأستاذ: محمد كمال شبانة

روى البخاري عن المعرور قال: لقيت أبا ذر بالربدة وعليه حلة وعلى غلامه حلة. فسألته عن ذلك. فقال: إني سأبيت رجلا فعيرته بأمه، فقال لي النبي «ص»: يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» رواه البخاري في كتاب «الإيمان»

روى هذا الحديث أيضا مسلم عن المعرور وغيره من طرق متعددة، وكذا رواه أبو داود والترمذي واختلفت الروايات في بعض عبارات الحديث، وسنعرض لها في حينها.

قوله: «لقيت أبا ذر بالربدة» الربدة موضع بين المدينة والبادية، بينه وبين المدينة ثلاث مراحل، قوله: «وعليه حلة وعلى غلامه حلة» الحلة في الأصل ثوبان من جنس واحد، وظاهر حديثنا يدل على أن كلا منهما كان يلبس ثوبا واحدا، إذ جاء فيها «رأيت عليه بردا وعلى غلامه بردا»، فقال «لو أخذت هذا فلبسته كانت حلة» ومثل هذا ما جاء في رواية مسلم «فقلنا يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة» وكذلك جاء في رواية أبي داود: «فقال القوم: يا أبا ذر لو أخذت الذي عند غلامك فجعلته مع الذي عليك لكانت حلة» وحينئذ يجب التوفيق بين هذه الروايات والرواية الأولى للبخاري، وذلك يتأتى بأنه أطلق في حديثنا الحلة على الثوب الواحد من باب إطلاق الكل على الجزء تجوزا، كإطلاق الأصابع على الأنامل، «يجعلون أصابعهم في آذانهم» فالحديث بظاهره يدل على أن ما كان يلبسه الغلام من جنس ما يلبسه أبو ذر، لأن الحال التي كان عليها أبو ذر وغلامه استلفتت نظر القوم، لأنها كانت غير مألوفة لهم، فأجابهم أبو ذر بما يدل على أنه اتبع في ذلك نص الحديث وفيه: «وليلبسه مما يلبس» أي من جنسه.

وقوله: «فسألته عن ذلك» يراد منه أنه سأله عن سبب إلباسه الغلام من جنس ما يلبس، لا عن شيء آخر كنوع الملبوس أو وصفه، وباقي الحديث يدل على أن هذا هو المراد، وإنما سأله عن هذا السبب، لأن ذلك كان غير المألوف من عادات الناس في ذلك الحين إذ كان من عادتهم أن تكون ثياب المملوك دون ثياب سيده.

قوله: «إني ساببت رجلا ... إلخ» ليس في هذه العبارة ما يدل على كنه الرجل الذي سابه أبو ذر، أعظيم هو أم حقير؟ سيد أم عبد؟ أو خادم ليس بعبد؟ ولكن آخر الحديث ظاهر في أنه كان من الخدم، والخدم أكثر ما كانوا من العبيد، وذلك قوله «إخوانكم خولكم» ورواية أبي داود تدل على أن هذا الخادم كان عبدا، إذ جاء فيها «فشكاني إلى الرسول «ص»، فقال يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية» قال «إنهم إخوانكم فضلكم الله عليهم فمن لا يلائمكم فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله»، فقوله «فبيعوه» يدل على أنه كان عبدا، وقد قال صاحب (منهج الراغبين): «الذي نعرفه أنه بلال» وقد زاد مسلم في رواية فقال: «ساببت رجلا من إخواني» أي إخوان أبي ذر، وهذا يشعر بأن الرجل كان عظيما، وليس بخادم، وعلى هذا تكون رواية البخاري جاءت مطلقة، ورواية مسلم قيدت الرجل بأنه من إخوانه، أو تكون رواية مسلم في ظاهرها متعارضة مع رواية أبي دواد، لما أشعرت به

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٢٣