متحليات بخلال أخرى حميدة، وعلى رأسها الشجاعة الأدبية.
إن موقف تلك المرأة في المسجد حينما أراد عمر بن الخطاب تحديد مهور النساء كان مثالا حيا على هذه الشجاعة الأدبية. عمر بن الخطاب أمير المؤمنين المهاب لا تتورع امرأة عن معارضته والقول له:
«بماذا يحل لك هذا والله يقول: «وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا» على أن الروعة كانت أبلغ حينما أنصت لها الخليفة، ثم قال:
«امرأة أصابت، ورجل أخطأ.»
وهذا الحوار الذي جرى بين عمر بن الخطاب وبين تلك المرأة العجوز لم يدل على شدة الجرأة الأدبية فحسب، بل كان، في نفس الوقت، يدل على شدة الجرأة الأدبية فحسب، بل كان، في نفس الوقت، يدل على أثر الإسلام في تهذيب الأخلاق. فعمر رضي الله عنه كان، قبل الخلافة، على شدة في الأخلاق ترهبها الناس، فإذا به، بعد إسلامه فتوليه الخلافة، يشتهر بالتواضع والتقشف والرحمة بالمؤمنين.
هذا وكان من المفروض أن تسد النوافذ أمام الجرأة الأدبية بعد أن صارت الخلافة ملكا عضودا، ولكن أصالة البداوة في الأمويين بالإضافة إلى حلم معاوية بن أبي سفيان أمد في أجلها. وفي الجزء الأول من العقد الفريد لابن عبد ربه وغيره أمثلة كثيرة عليها. وحسبنا أن نقرأ فيه أخبار الوافدات تباعا على معاوية من نصيرات الإمام على، كاروى بنت عبد المطلب، وسودة بنت عمارة، وأم سنان بنت جشمة، ودرامية الحجونية لنرى الدليل أثر الدليل على توفر تلك الجرأة بين نساء ذلك العصر.
على أن حلم معاوية وسع أيضا اللواتي حملن السيوف في صف علي، وقاتلنه كالزرقاء بنت عدي، وأم الخير بنت حريش. فلما استتب له الأمر استقدمهما إليه، وحاورهما فكان حواره معهما مثالا حيا على الجرأة النسائية، وعلى الوفاء.
استقدم، معاوية الزرقاء عزيزة مكرمة، فرحب بها، وهش لها، وقال:
«كيف حالك يا خالدة، وكيف رأيت مسيرك؟» قالت «خير مسير كأني كنت ربيبة بيت، أو طفلا ممهدا» قال: «بذلك أمرتهم. فهل تعلمين لم بعثت إليك؟» قالت «سبحان الله أنى لي بعلم ما لم أعلم؟» قال «بعثت إليك لأسألك. ألست راكبة الجمل الأحمر بصفين بين الصفين توقدين الحرب، وتحثين على القتال؟ فما حملك على ذلك؟» قالت يا أمير المؤمنين «إنه مات الرأس، وبتر الذنب، والدهر ذو غير، ومن تذكر أبصر. والأمر يحدث بعده الأمر.» قال لها صدقت فهل تحفظين كلامك يوم صفين؟» قالت «ما أحفظه» قال «ولكني والله أحفظه. لله أبوك لقد سمعتك تقولين (وذكر مقالتها)، ثم قال «والله يا زرقاء لقد شركت عليا في كل دم سفكه.» فقالت «أحسن الله بشارتك، يا أمير المؤمنين، وأدام سلامتك، مثلك من بشر بالخير وسر جليسه.» قال: «وقد سرك ذلك؟» قالت «نعم لقد سرني قولك، فإني بصديق الفعل؟» قال «والله لوفاؤكم له بعد موته أحب إلي من حبكم له في حياته؟ اذكري ما حاجتك؟» قالت «يا أمير أعلنت عليه شيئا أبدا، ومثلك أعطى من غير مسألة، وجاد من غير طلب.» قال: «صدقتك» فأقطعها ضيعة غلتها في أول سنة عشرة آلاف درهم، وردها والذين معها مكرمين. وقد مات معاوية بعد ذلك، ولكن الجرأة الأدبية لم تمت بموته، ولاسيما في شبه جزيرة العرب. ذلك بأن شمائلها وليدة الزمان، ولا يقضى عليها إلا من كرور الزمان. وعلى رغم ما استفاض من أنباء شدة عبد الملك بن مروان القائل في أحدى خطبه:
«والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه.»
وعلى رغم محاولته إخفات صوت الجرأة الأدبية فإن محاورته مع عزة كثير، وبثينة جميل تشير إلى عجزه عن إخفات صوت الحرية في جزيرة العرب.
روى ابن حجة الحموي في كتابه «ثمرات الأوراق» هذا الحوار فقال:
«دخلت عليه بثينة وعزة فانحرف إلى عزة وقال «أنت عزة كثير؟» فقالت «لست لكثير بعزة، ولكني أم بكر». قال، وقد أراد التلميح بسلو محبها لها، «أو تروين قول كثير؟»
وقد زعمت أني تغيرت بعدها *** ومن ذا الذي يا عز لا يتغير؟