للكفاح. ويرمقها الرسول بنظرة حانية قائلا لها: «ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة»؟
ثم لما نهد المسلمون في عهد الخلفاء الراشدين لافتتاح الأمصار فيما وراء جزيرة العرب مبتدئين بالشام كان بعض نسائهم يرافقنهم في تلك الفتوحات.
أما الشجاعة التي أبدتها المسلمات في تلك الحروب فنترك للمؤرخ أدوار جيبون الحديث عنها. فقد نوه بها في كتابه «تاريخ الامبراطورية الشرقية» وهو الكتاب الذي يتكلم عن الامبراطورية البيزنطية وقال:
«إن الشجاعة التي أعربت عنها المرأة المسلمة في موقعة اليرموك، وفي غضون حصار دمشق لأعظم مما يتناوله التاريخ.»
وإذا كان لابد من إيراد ذكر واحدة من بطلات هذه المعارك التي كانت بقيادة سيف من سيوف الإسلام المسلولة خالد بن الوليد فحسبنا التنويه بخولة بنت الأزور. وقد تحدث عنها الواقدي في كتابه فتوح الشام حديثا لا عهد للتاريخ بمثال له.
وأما في حرب العراق فكانت خزامة بنت خالد بن الوليد بن جعفر بن قرط، في جيش سعيد بن أبي وقاص، كابنة الأزور في جيش ابن الوليد. فقد حضرت، فيما حضرت، فتح الحيرة، وأبرزت فيها من الشجاعة ما لا يوصف.
وما كانت أم الحرام الرميصاء بنت ملحان، أقل منها شجاعة في جيش الأمير معاوية بن أبي سفيان، فقد ركبت البحر معه، يوم كان ركوبه كدود على عود، ومضت لفتح قبرص حتى كان البر لم يعد متسعا لجهادها، واستشهدت في عهد هذا الفتح، ودفنت في مدينتنا بيروت.
ثم لما عصفت أعاصير الخلاف بين المسلمين الأوائل من وراء النزعات القبلية القديمة لم تحد المرأة عنها، بل خاضت الصراع مثل الرجل، وقاتلت دفاعا عن رأيها، فكان فريق من النساء حزبا للإمام علي، وفريق آخر مناوئا له، وعلى رأسه عائشة أم المؤمنين.
والسيدة عائشة لم تكن في عداد الذين عارضوا خلافة علي بن أبي طالب فحسب، بل قادت جيشا بنفسها لقتاله. وأن التاريخ ليذكر مواقفها الباسلة في وقعة الجمل وهي لا تفتأ تثير الحماس في نفوس أجنادها، وتحضهم على الثبات رغم إصابة الجمل الذي كان يقل هودجها.
وما السيدة عائشة إلا واحدة من النساء الكثيرات اللواتي اشتركن في ذلك الصراع الداخلي: فئة منهن كانت من أنصار الخليفة علي بن أبي طالب، وفئة أخرى كانت من أنصار السيدة عائشة الهاشمية والأمويين. والفئتان لم تتنافسا على صعيد الرأي والاجتهاد فحسب، بل ساهمنا في الحروب التي نشبت حول تأييد هذا الرأي، أو ذاك الاجتهاد.
وهناك فريدة في الشجاعة ظهرت في صدر العصر الأموي يجدر بي أن لا أنساها في معرض التنويه بشجاعة مسلمات ذلك العهد الذي كان نارا ونورا، وأعني بها غزالة الحرورية زوج شبيب بن زيد قائد الخوارج. فقد كانت وبعلها يتعاقبان على قيادة الجيش بشجاعة لا مثيل لها.
من منا لا يسمع بالحجاج الثقفي الذي خاطب العراقيين الثائرين بقوله:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
متى أضع العمامة تعرفوني؟
لقد هزمت غزالة هذا الجبار المشهور ببطشه. وما هزمته لكثرة عصابتها بالنسبة لأجناد الدولة، وإنما بالشجاعة التي أبدتها في تلك المعركة حيث شكته بسنانها بين كتفيه فهلع قلبه، وولى الأدبار. وقد عيره بذلك عمران بن حطان إذ لج الحجاج في طلبه وقال:
أسد علي وفي الحروب نعامة
فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الضحى
بل كان قلبك في جناحي طائر
صدعت غزالة قلبه بعساكر
تركت كتائبه كأمس الدابر
الشجاعة الأدبية
في العصر الذهبي تبرز الفضائل عند الأمم بكثرة حتى يزاحم بعضها بعضا. ومن هنا لم يكن نساء العرب في صدر الإسلام شجاعات فحسب، بل إلى جانب شجاعتهن، واعتمادهن على أنفسهن، كن