تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع4 /يناير 1963 .................... ص 14

شجاعة المرأة في الإسلام وجرأتها الأدبية

للأستاذ: محمد جميل بيهم

تجري الأمم على دستور طبيعي وضعه الباري لجميع ما خلق، وبمقتضى هذا الدستور تمر الجماعات، كما تمر الأفراد، في أدوار الطفولة والشباب والشيخوخة، وتزور المقابر أو ما هو بمعناها. ثم إذا بعثت حية بعد الانحلال قائما تبعث بروح جديدة لتمر في هذه الأدوار كرة أخرى.

وقد كان العرب في الأزمان الغابرة أمة ذات حضارة وشأن أدركت، بعد عظمتها، الشيخوخة في الجاهلية، وأشرفت على الهلاك فإذا بالإسلام يبعثها حية، وإذا به يجمع شتاتها، ويقوم أخلاقها، ويجعلها جديرة بأن تخفق أعلامها، مدة أجيال، في ربوع العالم، وتأتيه بحضارة هي من خير الحضارات كانت في سلسلة الحضارة الإنسانية حلقة اتصال ربطت بين ما سلف من مدنيات وما خلف.

ومن سنن الدستور الطبيعي أيضا أن الأمة التي تحلق في سماء التقدم والرقي ترتفع في الجملة وكأنها طائرة إذا حلقت في الفضاء لا يتخلف شيء من جهازها في الأرض. وعلى هذه القاعدة فإن الإسلام ما إن كان حافزا للعرب للوثوب وثبتهم الأولى حتى خلق فيهم روحا جديدة بدت آثارها ظاهرة في أوساط رجالهم ونسائهم على السواء.

فالإسلام إذ جعل النساء شقائق الرجال أكسب المرأة صفات لا عهد لها بها في العصر الجاهلي، صفات كانت حافزة لها للمساهمة في تحمل أعباء ذلك الانقلاب الاجتماعي الكبير الذي اضطلع به العرب من أجل إعلاء كلمة الله.

وحين عجزت الحجة، وعجزت الدعوة بالحسنى طوال ثلاث عشر سنة قضاها محمد (ص) في يثرب يستعين بهما لهدي المشركين، وأصر هؤلاء على المكابرة كان لابد للرسول أن يخاطبهم، منذ استقر في المدينة، باللسان الذي لا يفهمون سواه فانتضى السيف. ولكن السيف لا ينفع إذا لم ترافقه الشجاعة والإيمان، فإذا بهاتين الخلتين الطيبتين تبرزان إلى جانب السيف ويتحلى بهما النساء مثل الرجال. وإذا بالمرأة تبرز إلى الميدان، وتبدي في عهد الرسول وخلفائه، من الشجاعة والبسالة والتضحية مالا عهد لأمة به في التاريخ.

لقد لقي السيد المسيح نصيرات عطفن عليه، والتففن حوله، أما سيدنا محمد فإلى ذلك وجد من النساء الشجاعات اللواتي خضن المعارك معه واشتركن في الفتوحات من بعده، واللواتي كان لهن رأيهن المستقل حينما اختلف المسلمون على الخلافة.

ففي عهد النبي (ص) نذكر أم عطية، وأم عمارة وذلك على سبيل المثال لا على سبيل الحصر. فأم عطية شهدت مع الرسول سبع غزوات، أبلت فيها بلاء حسنا. وأما أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية فاشتركت في غزوة أحد، وبيعة الرضوان، ويوم اليمامة، وكانت تقاتل في تلك المعركة مع ابنها عبد الله حتى قطعت يدها، وجرحت اثنا عشر جرحا. أما موقفها الباسل في غزوة أحد فكان إكليل غار توجت به رؤوس بنات جنسها. فلما تناولت سيوف المشركين أصحاب النبي فولوا الأدبار كانت بين العشرة الذين وقفوا يدافعون عنه، فانتضت سيفها، وذهبت تصول وتجول بين يدي الرسول حتى كانت من أظهر القوم أثرا، وأعظمهم في نجاته.

وقد رآها الرسول يومئذ تعصب جرحا ينزف دما في ذراع ابنها عمارة، فما انتهت منه حتى دفعته

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧١٧