الزواج فريضة على القادر. وكذلك يمنع ضبط النسل مطلقا .. وكأنه يحكم حياته في الأندلس كان يريد أن تكثر أولاد العرب بأي وجه تلقاء قوم آخرين كانوا أشد ازديادا. وقد يكون من الطريف إنشاء دراسات دقيقة في المستقبل حول الإطار الاجتماعي لتلك المذاهب الفقهية الفكرية التي لم ترد فيها نصوص قاطعة وحول تلك المواقف الاجتهادية للأئمة على نسق ما نجد في العصر الحاضر من دراسات متشعبة حول الصفة الاجتماعية للثقافة.
وإذا أردنا أن نترجم الآن مذاهب الفقهاء والمفكرين المسلمين في مصطلحات العصر الحاضر فإننا نرى أن الفقه الإسلامي بوجه عام ينظر من الوجهة الاجتماعية والاقتصادية إلى النظرية المالتوسية على أنها باطلة تخالف روح الإسلام واتجاهه العام ولا سيما قوله تعالى: «وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها» وكذلك فحوى قوله تعالى: «ولا تقتلوا أولاد كم وإياهم كم خشية إملاق نحن نرزق» وهي تخالف ما ورد في الحديث عن معنى تحديد النسل: «ذلك الواد الخفي» فالإسلام يتفق في هذا الموقف مع النظرة الاشتراكية الحديثة التي تسعى إلى تنظيم الاقتصاد بحسب السكان لا إلى تنظيم السكان حسب الاقتصاد.
ثم إننا في ميادين المذاهب الفقهية الإسلامية نجد بعض المفكرين متسمحين أمثال الغزالي فهو يعتبر القضية من الوجهة الشخصية فقط فيبيح تحديد النسل عند رغبة الأبوين فيه لأسباب متعددة ولكن إباحته تبقى متصفة بالكراهية التي هي ترك الأولى وترك فضيلة لا كراهية التحريم، كما نجد بعض المفكرين متشددين حين يقتصرون على النظر إلى الناحية الاجتماعية الصرف أمثال ابن حزم.
* * *
إسمحوا لي في الختام وقد أطلت عليكم أن استطرد فاذكر جانبا من تنكيت الغزالي وإشاراته اللطيفة وهي ربما كانت سببا من الأسباب الكثيرة التي أدت إلى نجاحه في تدريسه وفي تأليفه كما ذكر ذلك السبكي في كلمته المتقدمة في مستهل هذا الحديث وتبدو في نكاته وإشاراته هذه ثقافته العربية الواسعة.
فهو في بحث آداب الزواج يورد من عادات النساء العربيات أنهن كن «يعلمن بناتهن اختبار الأزواج وكانت المرأة تقول لابنتها اختبري زوجك قبل الإقدام عليه والجرأة عليه انزعي زج رمحه فإن سكت فقطعي اللحم على ترسه فإن سكت فكسري العظام بسيفه فإن سكت فاجعلي الأكاف على ظهره وامتطيه فإنه حمارك».
ولكنه يورد أيضا وصية أسماء بن خارجة الفزاري لابنته عند التزوج وهي مشهورة متداولة يحسن أن تكون دستورا لكل زوجة: «إنك خرجت من العش الذي فيه درجت فصرت إلى فراش لم تعرفيه وقرين لم تأليفه. فكوني له أرضا يكن لك سماء وكوني له مهادا يكن لك عمادا وكوني له أمة يكن لك عبدا لا تلحفي به فيقلاك، ولا تباعدي عنه فينساك، إن دنا فاقربي منه وإن نأى فأبعدي عنه واحفظي أنفه وسمعه وعينه فلا يشمن منك إلا طيبا ولا يسمع إلا حسنا ولا ينظر إلا جميلا».
دمشق: عبد الكريم اليافي