اختلال توزيع الثروة في بعض الأحيان. وقد نشأت في ظلال الدولة العباسية حركات سياسية متعددة كانت تثور أو تعلن في جملة مطالبها السعي إلى تحسين الأمور الاقتصادية وعدالة توزيعها. يذكر الغزالي في كتابه «فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية» صفحة من هذا الإضطراب عند بيان صحة إمامة المستظهر والتنويه بمزاياه وكفايته فيقول: «ولما استأثر الله بروح الإمام المقتدي وأمنع كافة الخلق بالإمامة الزاهرة المستظهرية وقد وافق وفاته أحداق العساكر بمدينة السلام وازدحام أصناف الجند على حافاتها والزمان زمان الفترة والدنيا طافحة بالمحسن متموجة بالفتن والسيوف مسلولة في أقطار الأرض والاضطراب عام في سائر البلاد لا يسكن فيها أوار الحرب ولا تنفك عن الطعن والضرب وامتدت أطماع الجند إلى الذخائر فغروا أفواههم وكان يتداعى إلى تغيير الضمائر وثورة الأحقاد والضغائن .. » (*)
ويعمد الغزالي بعد قليل في الكتاب عينه إلى بيان أصناف الأموال المنصبة في خزائن الخلافة وجهات صرفها وما يذكره في هذا السبيل يمكن أن يعتبر من الوثائق التاريخية التي تسجل الحياة الاقتصادية في ذلك العهد (*).
وكذلك يتناول المؤلف غب الفراغ من فصول آداب الزاج في «إحيائه» بحث آداب الكسب والمعاش وهو يشف عن بعض صور الأخذ والعطاء والبيوع والتجارة في ذلك الوقت بالإضافة إلى ما يذكر غيره.
ويلوح أن الحياة الاقتصادية قد تعقدت في ذلك العصر بحيث أصبح فريق من الناس يتعذر عليهم إعالة
أنفسهم أو أهليهم، ونجد المؤلف الورع يعمد في مواضيع متفرقة من كتاب «الإحياء» فيشير إلى ذلك ولا عجب هنا في مجال الكلام على ضبط النسل أن يذكر أيضا في جملة النيات الباعثة عليه إذ كانت الأولاد تقتضي نفقات لا بأس بها فيورد «الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد والإحتراز من الحاجة إلى التعب ودخول مداخل السوء. وهذا أيضا غير منهي عنه فإن قلة الحرج معين على الدين». ولكنه لا يلبث أن يضيف: «نعم الكمال والفضل في التوكل والثقة بضمان الله حيث قال (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها). ولا جرم فيه سقوط عن ذروة الكمال وترك الأفضل ولكن النظر إلى العواقب وحفظ المال وادخاره مع كونه مناقضا للتوكل لا نقول أنه منهي عنه» (*)
والخلاصة أن الغزالي في بحثه للزواج ولآدابه إنما يسلك مسلك أغلبية فقهاء الشافعية مضيفا إلى ذلك اعتبارات فكرية لطيفة تظهر جهات السلب والإيجاب وتوضح تغاير الحدود وتفاوت النظر. ومن المعلوم أن الزواج عند الشافعية من الشهوات لا من القربات.
فالتخلي للعبادة لغير التائق للزواج عندهم أفضل من الزواج. وهو بهذا الاعتبار ليس عبادة على حين اشتهر عن الحنفية أنه عبادة.
أما أهمية النسل فتبدو في كونه الغاية الأولى من الزواج وهو مقصد الفطرة وتحقيق حكمة التكوين.
ومع ذلك فإن قضية تحديده وضبطه اشتد فيها تشتت الآراء. وأكثر تلك الآراء تجعل إباحته متعلقة بإذن الزوجة في بعض الأحوال. ويحرم بعض فقهاء الشافعية أمثال العز بن عبد السلام على المرأة استعمال دواء مانع للحمل.
هذا ومن المناسب ههنا أن نشير إلى موقف الإمام ابن حزم الظاهري. فهو في كتابه «المحلى» (*) يعتبر
*) ص 71، 72.
*) 73، 74، 75. وكانت أموال الخليفة تشمل المستغلات وهي أموال موروثة له وأموال الجزية وأموال التركات لا وارث لها كانت تنصب في بيت المال وأموال الخراج المأخوذة من أرض العراق وهي من عبادان إلى الموصل طولا ومن القداسية إلى حلوان عرضا وهي التي وقفها عمر بن الخطاب على المسلمين ليكون خراجها منصبا إلى بيت المال ومصالح المسلمين.
أما مصاريف تلك الأموال فيجمعها الغزالي في أربع جهات 1 ـ المرتزقة من جند الإسلام 2 ـ علماء الذين وفقهاء المسلمين 3 ـ محاويج الخلق الذين قصرت بهم ضرورة الحال وطوارق الزمان عن اكتساب قدر الكفاية 4 ـ المصالح العامة من عمارة الرباطات والقناطر والمساجد والمدارس.
*) يذكر ابن قدامة الحنبلي في تسويغ ضبط النسل «أن يكون لحاجة مثل أن يكون في دار الحرب» المغني ج 7 ص 23.
*) ج 10 ص 70.