تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد كان الفقهاء في تعليمهم ومؤلفاتهم لا يتحرجون من معالجة ما نسميه في العصر الحاضر بالتربية الجنسية التي راجت عند بعض المجتمعات العربية المتقدمة. والذي يطالع كتب الفقهاء والمفكرين يدرك إلى أي مدى كانوا ينبهون إلى مختلف تلك الأمور تعبدا من جهة ورغبة في توفير أسباب السعادة للأزواج جميعا لأن الدين إنما أتى لصالح الناس ولإسعادهم في الدارين وكانوا ينتهون في ذلك إلى أدق التوجيهات.

وتبدو تلك الكتب الغنية الخصيبة ينابيع غزيرة لضروب متنوعة من البحث والتفكير فهي إلى جانب صفتها الفقهية والدينية تضم ألوانا أنيقة من التفكير الأخلاقي وحقولا زاهية من التفكير النفسي وأضاميم رشيقة من التفكير الاجتماعي، ولا تتخلى زيادة على ذلك كله عن الانتباهات الفيزيولوجية والديمغرافية، فإنه لا حياء في معالجة أمور الدين. ولقد تبع الفقه الإسلامي المرء في جميع أموره الدنيوية وحاجاته ومآربه ومصالحه ورسم له احتمالات من السلوك وخططا عامة تعينه في تصرفه فضلا عن أموره الأخروية. ولا غرو فإن الدنيا سبيل الآخرة، وميدان العمل الذي يؤدي إلى الخلاص والنجاة «وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون».

ولا عجب بعد ذلك كله أن نجد الفقهاء قد تعرضوا لقضية ضبط النسل في صدد بحوثهم فيما دعوناه «التربية الجنسية». ويذكر الغزالي في كلامه على آداب الزواج «ألا يعزل»، ولاشك أن البحوث الفيزيزلوجية وغيرها تشير إلى طرق شتى في ضبط النسل بعضها طبيعي يتصل بزمن عقم المرأة في غضون دورة الطمث به إليها العالم الياباني أوجينو وبعضها كيميوي أو آلي متعدد الأشكال. وإذا بحث الغزالي أو أمثاله هذه القضية فذكروا العزل فإننا نستطيع أن نغلب جوانب الإباحة أو الكراهة على جميع تلك الطرق إذ كانت أخف وطأة منه وأقل إيذاء ولا سيما طريقة أوجينو. نتعمد شيئا من هذا التفصيل لأن موقفعى Vao day nghe bai nay di ban http://nhattruongquang.0catch.com

الكنيسة الكاثوليكية في العصر الحاضر أصبحت تفرق بين تلك الطرق وتبيح اتباع طريقة أوجيينو بعد

ذلك كله.

وعندما يتناول الغزالي هذا البحث يشير إلى اختلاف العلماء في الإباحة والكراهة «على أربعة مذاهب فمن مبيح مطلقا حال ومن محرم بكل حال ومن قائل يحل برضاها ولا يحل برضاها وكأن هذا القائل يحرم الإيذاء دون العزل ومن قائل يباح في المملوكة دون الحسرة».

والصحيح في رأي الغزالي الذي هو أكثر تسمحا في هذا الشأن من غيره أن ذلك مباح. وإذا حصلت الكراهة في بعض الأحيان فإنها «كما يقال يكره للقاعد في المسجد أن يقعد فارغا لا يشتغل بذكر أو صلاة ويكره للحاضر في مكة مقيما بها ألا يحج كل سنة والمراد هذه الكراهة ترك الأولى والفضيلة فقط، وهذا ثابت لما بيناه من الفضيلة في الولد».

وهكذا يفرق الغزالي بين درجات الكراهية: كراهية التحريم وكراهية التنزيه وكراهية ترك الأولى والفضيلة مثل جمهور كبير من الفقهاء.

ثم يتناول المؤلف الفقيه النية الباعثة عليه. وهنا لابد من أن نشير إلى أن الحكم المتعلق بالسراري والإماء قد زالت فائدته بزوال موضوعه. ولقد كان اتجاه الإسلام متشوقا نحو تحرير الرق عامة فالأحكام المختلفة المتعلقة به أصبحت لها الصفة التاريخية فحسب. أما الحكم المتعلق في هذا الشأن بالزوجات فإنه يدل على بلهنية الحضارة إذ ذاك من جهة وعلى التفكير في استبقاء جمال الزوجة إذ يذكر صاحب الإحياء المرأة وسمنها لدوام التمتع واستبقاء حياتها خوفا من خطر الطلق وهذا أيضا ليس منهيا عنه».

وكذلك من جملة النيات «أن تمتنع المرأة لتغزرها ومبالغتها في النظافة والتحرز من الطلق والنفاس والرضاع ... فيكون القصد هو الفاسد دون منع الولادة».

وأيضا من جملة النيات «الخوف من الأولاد الإناث لما يعتقد في تزويجهن من المعرة كما كان من عادة العرب في قتلهم الإناث فهذه نية فاسدة». يأثم المرء لو ترك بسببها الزواج وكذلك الأمر في تحامي مجيء الأولاد.

ثم إن ضبط النسل في ذلك الوقت يدل على تصعب أسباب الرزق في تلك الحياة المشتبكة الوجوه المعقدة المداخل بحيث لا يضمن المرء دائما الكسب الحلال وذلك كما يحصل في العصر الحاضر في المدن الكبيرة إذ يغدو الولد عبئا اقتصاديا على الأهل.

ولا عجب إذا رأينا الغزالي في كثير من كتبه يشير إلى قضايا الكسب وينبه على آداب المعاش ويشير إلى

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧١٤