وقد يرد أنه إذا كان بقاء النسل والنفس محبوبا فإن فناءهما مكروه، وقد قدر تعالى الموت والحياة «فكلاهما بمشيئة الله وهو غني عن العالمين فمن أين يتميز عنده موتهم عن حياتهم أو بقاؤهم عن فنائهم؟» فالجواب عندئذ أن «المحبة والكراهة يتضادان وكلاهما لا يضادان الإرادة فرب مراد مكروه ورب مراد محبوب فالمعاصي مكروهة وهي مع الكراهة مرادة والطاعات مرادة وهي مع كونها مرادة محبوبة ومرضية. أما الكفر والشر فلا تقول: إنه مرضي ومحبوب بل هو مراد».
أما الوجوه الباقية فيوضحها المؤلف معتمدا على ما ورد في ذلك من أحاديث متفاوتة في درجات إسنادها. ومن المناسب هنا أن نبين موقف الفقهاء ومنهم الغزالي من وفيات الأطفال. فهم يرون أن الولد إذا مات وهو صغير كان شفيعا لأبويه فهو ذخر يقدم وفرط يفترط على حد التعبيرات المتداولة عندهم، ولاشك أن في ذلك تسلية وعزاء للآباء والأمهات إذ كانت وفيات أطفالهم تحز في نفوسهم، وقد أدرك المفكرون كثرة هذه الوفيات بالنسبة إلى بقية مراحل العمر وعجبوا لهذا التلف الذاهب سدى يصيب هؤلاء المواليد الذين إنما ولدوا لأجل الحياة والتعمير. قال أبو العلاء المعري مشيرا إلى ذلك:
وأعمار الذين قضوا صغارا
كأثواب بلين وما لبسته
ولم يكن علم السكان متقدما لبيان أن القسم الأكبر من هذه الوفيات إنما تأتي من أسباب اجتماعية خارجية وأن نصيبا ضئيلا منها إنما يرجع إلى أسباب داخلية تكوينية. وإنما مثل هذا التفصيل أدى إليه تقدم الإحصاء الذي خول قياس كل نوع من نوعي الوفيات وضبطه في السنوات الأخيرة من العصر الحاضر.
ويعود الغزالي إلى شرح بقية فوائد الزواج فيذكر «التحصن عن الشيطان وكسر التوقان». وهنا «ليس يجوز أن يقال المقصود اللذة والولد لازم منها كما يلزم مثلا قضاء الحاجة من الأكل وليس مقصودا في ذاته بل الولد هو المقصود بالفطرة والحكمة، والشهوة باعثة عليه».
على أن لذة الدنيا يصح أن تعتبر دالة على لذة الآخرة و «منبهة على اللذات الموعودة في الجنان إذ الترغيب في لذة لم يجد لها ذواقا لا ينفع ... وإحدى فوائد لذات الدنيا الرغبة في دوامها في الجنة ليكون باعثا على عبادة الله».
ثم يذكر «ترويح النفس وإيناسها بالمجالسة والنظر والملاعبة إراحة القلب وتقوية له على العبادة» ثم يورد «تفريغ القلب عن تدبير المنزل والتكفل بشغل الطبخ والكنس والفرش وتنظيف الأواني وتهيئة أسباب المعيشة» ثم تأتي «مجاهدة النفس ورياضتها بالرعاية والولاية والقيام بحقوق الأهل والصبر على أخلاقهن واحتمال الأذى منهن والسعي في إصلاحهن وإرشادهن إلى طريق الدين والاجتهاد في كسب الحلال لأجلهن والقيام بتربيته لأولاده. فكل هذه الأعمال عظيمة الفضل فإنها رعاية وولاية والأهل والولد رعية وفضل الرعاية عظيم».
ونرى أنه أغفل في الإيضاح كثرة العشير وقد ذكرها عندما أجمل في البداية فوائد الزواج فذكر بدلا منها ترويح النفس وإيناسها بالمجالسة والنظر ولم يشر هو ولا شارحه الزبيدي إلى هذا الإغفال.
ثم هو يذكر جريا مع اتجاه تفكيره الولادة في جملة «الخصال المطيبة للعيش التي لا بد من مراعاتها في المرأة ليدوم العقد وتتوفر مقاصده» أي «أن تكون المرأة ولودا فإن عرفت بالعقر فليمتنع عن تزوجها، قال عليه السلام (عليكم بالولود الودود) فإن لم يكن لها زوج ولم يعرف حالها فيراعي صحتها وشبابها فإنها تكون ولودا في الغالب مع هذين الوصفين» (*)
ما قدمناه يؤلف العناصر الإيجابية الدافعة إلى الرغبة في الذرية. ومن المعلوم أن الإسلام في طليعة الأديان التي تحث على الزواج والإنسال. هذا وعندنا أن إباحة تعدد الزوجات في بعض الشروط تدخل في العناصر الإيجابية لتكثير النسل. ونتفهم هذا بسهولة إذا انتبهنا إلى أرباء عدد النساء على الرجال في صدر الإسلام بسبب شهداء المجاهدين، الذين فتحوا جوانب الأرض، وكذلك ورث المسلمون الأوائل ما خلفته جاهليتهم من آثار التقاتل والتفاني بين القبائل إذ كانت الحروب والغارات سجالا بينهم ولا شك أن آثارها كانت مشؤومة على الذكور ولا يمكن أن يعدلها وأد البنات الذي كان محدودا وإنما عرف عند قليل من القبائل فحسب.
*) حديث معقل بن يسار: تزوجوا الودود الولود