مؤلف «الإحياء» من الذين إذا نظروا في قضية من القضايا انتبهوا إلى جوانبها المتقابلة وحدودها المتناقضة فعرضوا تلك الجوانب وأوضحوا تلك الحدود ليطلع القارئ على جهة السلب وجهة الإيجاب في كل رأي ونظر وليحيط علما بتلك التقابلات والتناقضات فيكون على بينة من موقفه الذي يتخذه وفي جلية من حكمه الذي يصدره ولكيلا يفوته أمر من تلك الأمور التي تدخل في نطاق القضية التي يعالجها ويبحث فيها:
وربما كان هذا هو السبب الذي من أجله اتصف الغزالي أنه قد يعرض من حجج الذين يريد الرد عليهم ما لم يخطر لهم ببال. وليس ذلك مأخذا بل تلك ميزة في ميدان الفكر الذي ينشط بالاستناد إلى الحدود المتغايرة وبنمو ويتقدم باصطراع العناصر المتضادة.
إن مثل هذا الاتجاه طبيعي في شخصية الغزالي وأصيل لديه. وقد ظهر في سلوكه بشكل أزمة حادة عند ما فكر وهو في أوج شهرته ومجده العلمي ببغداد أن يترك المدرسة النظامية ويعتزل التدريس ويسلك طريق الصوفية ويجرب تجربتهم. فكانت تتلامح أمام فكرته جوانب السلب والإيجاب والنفي والإثبات شديدة متعارضة كأقوى ما يكون التعارض مصطرعة كأعنف ما يكون الاصطراع ملحة كأطول ما يكون الإلحاح إذ قد استمرت تلك الأزمة نحوا من ستة شهور حتى أفضى ذلك به إلى المرض ولم ينقذه منه إلا عزمه على اختبار التجربة الصوفية ومعاناتها.
شخصية الغزالي بهذا الاعتبار يبدو الفكر الجدلي من أعمق خصائصها ويتصل بهذا الفكر ما يتصل من ذكاء متوقد تثيره المتناقضات ومن تشوف يستند إلى التوفيق بين تلك الحدود المتغايرة ومن تفهم عميق فاحص للأمور ومن رفق يتناسب مع هذا التفهم ومن إخلاص عميق يتوطد عند اختيار الموقف الذي يقفه تنضاف إلى ذلك عاطفة مشبوبة بالتقوى المثبضرة والإيمان المتيقظ مخضلة بصدق الانفعال مشربة بحب الخير تتجلى في أسلوبه الحي المتوثب النابض القوي.
وربما كان ذلك كله سببا في نجاحه الكبير الذي صادفه في التدريس إذ كان بهذا الاتجاه المتشعب ينقع غلة مريديه وطلابه ويمنع ميولهم الفكرية المختلفة وطبائعهم المتفاوتة. فقد «أعجب الخلق حسن كلامه وكمال فضله وفصاحة لسانه ونكته الدقيقة وإشاراته اللطيفة وأحبوه (*)»
على أنه في ذلك كان كأنما يمتاح من معين ينبجس من قلبه أو كأنما يقتبس من شرار ينقدح في نفسه على حد استعماله المتكرر للفظ الانقداح. وإنما كان ذلك مصدر حدس فطر عليه واشتهر به منذ أن كان طالبا فقد كان أستاذه الجويني إمام الحرمين يقول فيه: «الحدسيات للغزالي (*)» ويقول فيه أيضا: «بحر مفدق» (*) ولهذا كله يتعصب علينا هنا في هذا البحث الموجز أن نفصل جميع الآراء التي يعرضها حجة الإسلام في بحث الزواج والنسل وإنما نقتصر منها على ما يمس الرغبة في مجيء الأولاد أو تحاميهم.
* * *
يشيد المؤلف بمكانة الأولاد في بحث فوائد الزواج التي يلخصها ويحصيها أولا ثم يشرحها، فيجدها خمسا وهي: الولد ثم يأتي كسر الشهوة وتدبير المنزل وكثرة العشيرة ومجاهدة النفس بالقيام عليهن» فهو يضع الذرية في ذروة هذه الفوائد.
فالولد هو الأصل، وله وضع الزواج. «والمقصود إبقاء النسل وألا يخلو العالم من جنس الإنس» فالميل باعث مستحث «كالتلطف بالطير في بث الحب الذي يشتهيه ليساق إلى الشبكة»، إذا اقتضت الحكمة الإلهية ترتيب المسبات على الأسباب في هذا الشكل مع إمكان الاستغناء عنها. وعند التأمل نجد في السلالة «قربة من أربعة أوجه: الأول موافقة محبة الله بالسعي في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان والثاني طلب محبة رسول الله (ص) في تكثير من به مباهاته والثالث طلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده والرابع طلب الشفاعة بمولد الولد الصغير إذا مات قبله».
ويشرح المؤلف الأوجه الأربعة ولا شك أن الوجه الأولى أهمها وأدقها وأقواها. وذلك أن امتناع النسل بعدم الزواج تعطيل للحكمة الأزلية المدرجة في الكون وإفساد للفطرة المقصودة. «ولذلك عظم الشرع الأمر في القتل للأولاد وفي الوأد لأنه منع لتمان الوجود ,وإليه إشار من قال: الغزل أحد الوادين».
*) طبقات الشافية ج 4 ص 104.
*) المرجع نفسه ص 106.
*) المرجع نفسه ص 103.