والإنسان الدي يؤمن هدا الإيمان ويعمل في الحياة في هدا الطريق ليس هو الإنسان الفرد بل هو الإنسان الموجود في إطار اجتماعي الذي يعيش في مجتمع يحدد الإسلام اتجاهاته وصفاته وعلاقات أفراده بعضهم ببعض, ويعني به كذلك باعتباره مجتمعا أو جماعة, ويقيم له تشريع تنسجم فيه مصلحة الفرد و مصلحة الجماعة. فيقيم له نظاما اجتماعيا يكفل له هدا الرقي الإنساني المادي والروحي ويشتمل هذا النظام الاجتماعي على نظام للحكم أساسه الشورى والمساواة والعدالة والمسؤولية, وعلى نظام اقتصادي مبني على العدالة من جهة وعلى التكافل الإجتماعي من جهة أخرى كما يشتمل على نظام للأسرة الخلية الطبيعية الأولى و البيئة التربوية لكل مجتمع سليم.
هذا المجتمع الذي ينظم الإسلام جوانب حياته السياسية و الاقتصادية والأسرية في سبيل سعادة الإنسان وارتقاءه يقوم على أسس اعتقادية خلقية تكون جدورنظامه وأسس بنائه. فالتشريع الإسلامي بالإضافة إلى موضوعيته وتنظيمه على أسس ظاهرة وضوابط موضوعية له جذور خلقية في النفس وأصول اعتقادية تغذيه وتمده وتدعم بناءه. فالتشريع غير منقطع الصلة بالأخلاق وإن كان لكل منهما قواعد لا تلتبس بالأخرى, وهذه الأخلاق ترتكز على نظرة إلى الوجود أ فلسفة شاملة أو عقيدة كاملة.
وبذلك يتصل في نظام الإسلام عقيدته أو فلسفته وأخلاقه وتشريعه الاجتماعي وتؤلف كلها وحدة متكاملة تقابل وحدة الحياة وهذه مزية هامة من مزايا الإسلام تميزه عن غيره من الأنظمة الأخرى التي تعالج جانبا واحدا من جوانب الحياة أو تعالجها منفصلة دون أن تنظر إليها على أنها وحدة كاملة. إن الوحدة والتوازن والانسجام والشمول خصائص تميز نظام الإسلام من الأنظمة الأخرى المادية منها والروحية الوضعية والدينية.
ضبط النسب في نظام الإسلام
وإلى جانب خاصة الوحدة في نظام الإسلام خاصة أخرى لا تقل عنها شأنا وهي ضبط النسب بين جوانب الحياة وقيمتها فالمال واللذة والعمل والعقل والمعرفة والقوة والعبادة والقرابة والقومية والإنسانية قيم من قيم الحياة، والإسلام جعل لكل منها موضوعا في نظام الحياة ونسبة محدودة لا تتجاوز حتى لا تطغى قيمة على قيمة. وإن من التشويه للإسلام تبديل هذه النسب بحيث تزاد عن حدها أو تنقص بالنسبة إلى غيرها كما فعلا في بعض العصور الأخيرة فإن تغيير النسب في نظام الحياة كتغير النسب في التصوير الهزلي الذي يغطي من الإنسان المعالم والمشابه ولكن على وجه هزلي ساخر وكتغيير صفاته وخصائصه وربما انقلب إلى مادة ضارة أو سامة. فلو جعلنا الحياة مئة جزء لوجدنا أن الإسلام خص العبادة منها بأجزاء وكذلك الإنفاق والكسب والجهاد والتمتع بالملذات المشروعة لكل منها نصيب محدود ولو غيرنا هذه النسب فقللنا قيمة الجهاد وزدنا في نصيب العبادة وانتقصنا من حظ المال كسبا أو إنفاقا وغالبنا في الملذات أو ألغيناها لخرجنا من ذلك بنظام يخالف في حقيقته وفي روحه نظام الإسلام وأخللنا بالتوازن الذي أقامه بين قيم الحياة وجوانبها، فالمسلم الكامل في بعض العصور الأخيرة هو المنصرف إلى العبادة بمعناها الضيق لا يشتغل بسواها، المعتكف في محرابه لا يبارحه، الملتزم لأذكاره وأوراده. إن هذه الصورة لا تشبه مطلقا الصورة التي كان عليها الرسول الكريم صلوات الله عليه وأصحابه المقتدون به فلئن كانت العبادة جزءا أساسيا في حياتهم فإن الجهاد كان مالئا لصفحاتهم، الجهاد في سبيل تحرير المجتمع من العقائد الفاسدة وترشيح العقائد الصحيحة وتحريره من ظلم الظالمين واستبداد المستبدين لحماية المستضعفين وإقامة العدل بين الناس. وكذلك تكون حياة المسلم المنشغل بالجهاد والإصلاح الاجتماعي ناقصة مشوهة بالقياس إلى الصورة الإسلامية الكاملة إذا كانت خالية من العبادة ضعيفة الصلة بالله.
وقد انتبه فقهاؤنا المتقدمون إلى هذه الفكرة فكرة النسب فجعلوا ما يطلب من المسلم من الفرائض وغيرها متفاوتة في قوة طلبها كما جعلوا الممنوعات والمحرمات مختلفة كذلك في درجة منعها أو حرمتها.
فليس سواء في الإثم ترك المجاهد المرابط في صف الجهاد مكانه وفسحه المجال لدخول العدو وشرب الخمر أو أكل لحم الخنزير مع أن كلا الأمرين حرام.
وتشير آيات وأحاديث كثيرة إلى هذه الفكرة كقوله تعالى: «أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا