تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ينبغي استنباط أحكامها من الشريعة الإسلامية مما سأذكره بعد قليل.

تشويه المفاهيم الإسلامية

1. إن هذه الظاهرة ظاهرة تشويه المفاهيم الإسلامية بسبب الالتقاء بالحضارات الأخرى ليست جديدة في تاريخنا ففي تاريخنا القديم مثل ذلك. فقد التقينا بالفكر اليوناني وكان نتيجة الالتقاء ظواهر كثيرة كمسائل علم الكلام فلم تكن العقيدة الإسلامية وعلى الأصح الإيمان الإسلامي ـ لأن لفظ العقيدة كذلك حادث ـ في عهد الرسول (ص) والصحابة آخذا هذا الشكل الجدلي الفلسفي الذي أخذه في العصر العباسي فقد كان الإيمان ـ وهي الكلمة القرآنية ـ محتويا على معنى عقلي وعلى معنى نفسي عاطفي ملتبسين متداخلين كل التداخل في العهد الأول عهد ظهور الإسلام. وإذا بنا نرى أن الإسلام يتشعب إلى شعب ثلاث: شعبة تأخذ بمظاهر الأحكام والشعائر في العبادات والمعاملات. وفرع آخر يأخذ من الإسلام نواحي الاعتقاد العقلي وهو الكلام أو العقيدة أو علم التوحيد. وفرع آخر للإسلام يأخذ من نواحيه القلبية والخلقية وهو الأخلاق أو الزهد أو ما سمي بعد الصدر الأول بالتصوف. فإذا بالإسلام يتألف من شعب ثلاث ينفصل بعضها عن بعض: الفقه والكلام والأخلاق. ولا أقصد من هذا أن الفقهاء كلهم لم يكونوا ملمين بشيء من الكلام وأن المتكلمين جميعهم لم يكونوا على شيء من الفقه وإن الزهاد والوعاظ لم يكونوا يعنون بالفقه والعقائد، ولكن كان يغلب على الرجل أن يكون متكلما أو متفقها أو زاهدا متصوفا وإن كان بعضهم قد جمع هذه الجوانب كلها. وأصبحت هذه الجوانب منفصلة بعضها عن بعض بعد أن كان الإسلام وحدة شاملة. وهذا يعطي عن الإسلام صورة جانبية، فهنالك إسلام علم الكلام وهناك إسلام الأخلاق وهناك إسلام الفقه، والإسلام هو الإسلام ليس الإسلام إسلام الكلام أو الفقه أو التصوف. والصورة الجانبية لا يمكن أن تعتبر صورة كاملة تامة في رأيي ولذلك فإن في تشعب هذه النواحي وإن كان فيه تسهيل من الناحية العلمية والدراسية تجزئة لحياة موحدة لا يحصل في أجزائها ما يحصل في تركيبها جملة واحدة. والإسلام الأول إسلام الصدر الأول من الصحابة الذين كانوا ملتفين حول الرسول (ص) بجمع هذه العناصر الثلاثة جمعا منسجما متوازنا حيويا. وعلى هذا فلا بد لنا إذن من أن نفصل الإسلام في ذاته عن فهم المسلمين للإسلام خلال العصور, فهناك الإسلام في أصله وينبوعه في الكتاب و السنة في مصادره الأصلية, وهناك فهم المسلمين في كل عصر فقد يخطئ بعض المسلمين في فهم الإسلام في بعض العصور فدلك أمر لا يعيب الإسلام في ذاته وفي مصادره الأصلية ولا في صورته الحقيقية, ولاشك أن الفهم الذي يمكن أن نعتبره أقرب للتصوير الحقيقي الإسلام والدي نستأنس به نحن في فهم الإسلام هو فهم الصدر الأول أي فهم الصحابة والتابعين. ولست في هده العبارة أعني أي غض من مفهوم المسلمين للإسلام في سائر العصور التالية فقد ظهر في كل عصر من كبار العلماء والباحثين والمدركين لحقيقة الإسلام كثير ممن لم تنقطع حلقاتهم وسلسلتهم حتى عصرنا هدا. فللأسلام في الحقيقة إذن إدا كشفنا عنه غواشيه سواء في هدا العصر أوفي العصور السالفة ذاتيته وحقيقته والإسلام في الحقيقة نظام كامل, فهومن جهة فهم للحياة وتصور شامل للوجود وإيمان بهذا الفهم ونظام عملي ينبثق من هدا التصور والإيمان.

ويتلخص التصور أو المفهوم الإسلامي العام في أن هده الطبيعة التي تحيط بالإنسان والكون الذي يعيش فيه مهما يتسع أفقه ومسافته, أن هدا الكون كون مخلوق من وراءه وجود مطلق وقوة خارقة حية مدركة هي قوة الخالق والإنسان في هدا الكون وبهده الأرض بالذات مستخلف من الله الخالق ليعيش فيها وليتمتع بما فيها من نعم وطيبات وأرزاق بل ملذات محللة مشروعة على أن يعلم أنه في استخلافه هدا وفي تمتعه وسعيه وعمله محاسب ومسؤول أمام هده القوة الخالقة المدركة المحاسبة. وينبثق عن هدا الفهم وعن هدا الإيمان عمل وعبادة متصلان أيما اتصال من حراثة وزراعة للأرض وتأمل لهده القوة التي خلقته وأنعمت عليه وهدا العمل والعبادة هما من نوع واحد فهو يطيع الله في أن يشق الأرض بالمحراث أو يحرك الآلة في يده وهو في دلك مطيع لله عابد له وكذلك هو مطيع متعبد حينما يخلو في سويعات من يومه ليفكر في خالقه وليتأمل فيما وراء هده الحياة من مسؤولية و حساب. وينبثق عن هده الفكرة أو العقيدة أو الإيمان على الأصح تعاليم أخلاقية وهي تعاليم تأخذ من ناحية بشيء من الواقعية في الحياة وتعمل من ناحية أخرى لترقية الروح فتفسح المجال للغرائز وتصريفها في حدود معينة وتضبطها وتعمل على انسجامها مع الرقي الخلقي والروحي. ولست الآن لا لخص في أكثر مما قلت المذهب الأخلاقي في الإسلام.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٠٧