تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإسلامي نوعان مزدوجان من التعليم: تعليم إسلامي ولكنه قديم بطريقته ووسائله ومستواه يعود إلى القرون التي تلت العصور العباسية، وتعليم مصدره أروبا وأفكار أوربا والحضارة الأوربية الحديثة. وقد أدى ذلك في بعض الأحيان بسبب هذا الازدواج والتناقض وبسبب الأزمة الفكرية النفسية التي حدثت في بعض الناس إلى ظواهر غريبة أو ظواهر من نوع معين كظاهرة تأويل كثير من أحكام الإسلام تأويلا فيه كثير من المواربة والتعسف من أجل المطابقة بين الإسلام والمذاهب الأخرى ولكن على حساب الإسلام كما يقولون فكأنه يراد أن يشذب الإسلام ويقطع حتى يدخل في قارورة فمها ضيق ولو أدى ذلك إلى أن تقطع منه يداه أو رجلاه أو جهاز من أجهزته العضوية الأساسية. ولا بأس أن أضرب على ذلك أمثلة وهذه الأمثلة اسمحوا لي أن أقول أنها رأي شخصي لي، وقد يكون غيرها أولى منها بالاستشهاد في هذا الموضع. فمن هذه الأمثلة مسألة التماثيل. فإن كثيرا من المتدينين يحاول أن يسوغها ويحللها ويروج لها في مجتمعنا الإسلامي الحديث ذلك لأن إقامة التماثيل أصبح أمرا شائعا بين الأمم على اعتبار أن إقامة هذه التماثيل كان محرما لعلل وقد بطلت هذه العلل وزالت. إن هذا التفكير في رأيي باطل من أساسه لأن الفكرة هي أعمق مما يظنه هؤلاء السطحيون ممن يريدون بهذه الطريقة الدفاع عن الإسلام. فإقامة التمثال له مغزى فلسفي عميق. ذلك أن الأمة التي تقيم التمثال لبطل من أبطالها إنما تجسد البطولة في شكل مادي ولو رجعنا إلى العصور الإسلامية لوجدنا أن إعطاء الشخص في جسمه وفي ذاته قيمة عليا فكرة مردودة. فأعظم شخصية في الإسلام هي شخصية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي يعتبر بشرا ولكنه فوق جميع البشر بصفاته وكماله. ومما لا شك فيه أنه لم تخلد شخصية في التاريخ وفي خلال العصور في نفوس الناس وفي أذهانهم وفي الكتب والدراسات كما خلدت شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. فما هي الطريقة التي اختارها المسلمون لتخليده. لاشك أننا جميعا نعرف أن تخليد شخصية الرسول (ص) كان تخليدا معنويا خالصا وكان تخليدا أعظم وأقوى من أي تخليد لأي شخصية كانت. ولا يزال يرن في أذني صوت لعجوز هندية في الباكستان في حديقة كراتشي في أمسية من تلك الأمسيات التي كنت فيها هناك أزور تلك الحديقة فسمعت هذه العجوز الجالسة على الأرض تسأل الناس وتقول اللهم صل وسلم على سيدنا ومولانا محمد، فقلت عجبا لهذه المرأة الهندية حفيدة المجوس وعباد الأوثان عجبا لهذه المرأة التي لا تعرف العربية والتي يفصلها عن محمد عليه الصلاة والسلام آلاف الأميال في المكان ومئات السنين في الزمان كيف تنطق بلفظ عربي مبين باسم الرسول عليه الصلاة والسلام، وتشيد بشخصيته.

وقد أقمت سنين في أوربا، وكنت أشاهد في شوارع باريس وحدائقها كثيرا من التماثيل وأؤكد لكم أن كثيرا من الفرنسيين الذين كانوا يزاملونني في الدراسة كانوا مثلي لا يعرفون كثيرا عن هذه التماثيل ولا معانيها ولا نواحي البطولة التي يمثلها أصحابها.

ولو استعرضنا الأمم لوجدنا أن تلك التي تقدس المادة وتتجه اتجاها ماديا هي التي تجسد البطولة في شكل مادي وهي التي تخلد الأبطال في شكل تماثيل، بل هي الأمم التي كانت في الحقيقة قديما وثنية في اعتقادها وديانتها كاليونان والهنود وقد أخذت هذه الوثنية شكلا آخر من الأشكال الحديثة المدنية. فاليونان كانت أساطيرها تعج بالأبطال والبطل لا يتصور أن يكون بشرا في نظرهم لأنهم أعجز من أن يتصوروا الإنسان بطلا، فإذا ما أصبح بطلا نقلوه من صف البشر إلى صف الآلهة. وأما المسلمون فإنهم كانوا على خلاف ذلك فلو ذهبت اليوم إلى أقصى حدود المغرب وإلى أقصى حدود الهند والصين ونطقت باسم علي أو أبي بكر أو باسم عمر أو خالد لوجدت رنينا لهذه الألفاظ لا تجده أبدا لتمثال مقام في موسكو أو في برلين أو في باريس. فالقضية إذن ليست قضية تحليل التماثيل فالتماثيل محرمة في الإسلام لفلسفة عميقة هي أعمق بكثير مما يظن هؤلاء السطحيون من الذين يحسبون أنهم يدافعون عن الإسلام.

ومن أمثلة ذلك اليانصيب التي اعتبرها ظاهرة مغزاها العميق أن معين الأخلاق المنبثق عن الإيمان قد نضب من القلوب وأن الناس أصبحوا ماديين لا يهتمون إلا بالمادة والربح والإغراء بالربح ولابد من إغرائهم بالربح حتى نأخذ منهم المال لعمل خيري. فاليانصيب مبني إذن على فكرة نضوب معين الأخلاق من القلب لا على أساس محاولة انبثاق الأخلاق من القلب والعاطفة والنفس في شكل تضحية حقيقية بل بشكل إغراء خسيس بالكسب. وهكذا كثير من هذه المشاكل التي اكتفى بضرب هذه الأمثلة عليها مع أنني أميز بين هذا النوع أو هذه الظاهرة التي اسميها التعسف في التأويل وبين تكييف الحوادث والنوازل الجديدة التي

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٠٦