تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الطبقات من المظالم الاجتماعية ونشأت عن ذلك مفاهيم للحرية والديمقراطية والاشتراكية هي وليدة تلك الظروف التاريخية المحلية. والظاهرة الثالثة التنافس القومي في أوربا فإن التنافس بين شعوب أوربا وقومياتها أدى إلى ردود فعل خاصة جعلت من القومية أساسا تدور الحياة حولها وعقيدة تبنى عليها الحياة السياسية والفكرية وتلك العقيدة إنما نشأت في ظروف معينة هي التي أملتها ولم يملها منطق العقل أو منطق الحقيقة. تلك هي أبرز الظواهر التي ظهرت في أوربا حين التقينا بها. ونشأ بنتيجة ذلك في ميادين الفكر والاقتصاد والسياسة أفكار متنوعة متعددة تأثرنا نحن بها. وعلى سبيل التمثيل إليكم بعض الأمثلة لبعض الأفكار التي اعتبرها وليدة هذه الظروف الخاصة فمن ذلك مثلا أفكار كثيرة تتعلق بالدين هي بنت تلك الظروف وتلك الحقبة من التاريخ وكثير من التعابير التي نستعملها اليوم ونستعيرها هي نتيجة تأثرنا من الحضارة التي انتقلت إلينا في تلك المرحلة وذلك كمشكلة الصراع بين الدين والعلم أو بين الدين والعقل وهي وإن كانت مشكلة قديمة لكنها لم تأخذ هذا الشكل العنيف الحاد، وكذلك الازدواج في التعليم بين ديني ومدني وتعبير رجال الدين. ولو نظرنا في كتبنا القديمة في العصر العباسي وما بعده وما قبله لما وجدنا مثل هذا التعبير الذي لم تعرفه العربية ولم يعرفه الإسلام من قبل. ومن ذلك فصل الحياة إلى جزئين منفصلين، لا يكاد يحدث بينهما اتصال، الدين والدنيا، وفصل الدين بنتيجة ذلك عن المجتمع وعن الدولة بجعل الدين أمرا شخصيا لا علاقة له بالحياة العامة وهذا أيضا من المفاهيم التي انتقلت إلينا وأدت إلى مفهوم آخر هو مفهوم العلمانية ومعناه حياد الدولة وعدم تدخلها في شؤون الدين، واللادينية ومعناها محاربة النزعة الدينية. ومن تلك المفاهيم أيضا نسبية الأخلاق وهي وليدة أزمات خاصة بها اصطدمت فيها الأخلاق الدينية بالأخلاق الواقعية والأوضاع الاجتماعية والسياسية القديمة بأوضاع ثورية جديدة، بعد أن ثبتت تلك الأخلاق والأوضاع مدة طويلة. وهي ولاشك فكرة خاطئة بدليل أن كثيرا من الحقائق أو الأحكام والقيم الخلقية لاتزال ثاتبة منذ آلاف السنين كاستنكار الغصب والأضرار بالغير والزني الذي لا تزال القوانين تحرمه في أكثر بلاد العالم ولا يعبأ ببعض أحوال المجتمعات التي تكون على خلاف ذلك لأنها أحوال مرضية شاذة واستحسان بعض المجتمعات في بعض العصور الاستبداد والظلم لا تجعل منها أمرا مستحسنا ولا تغير الحكم بكونهما شرا يجب مكافحته.

ومن هذه الأفكار الخاطئة التي انتقلت إلينا من المجتمع الأوربي بعد أن راجت فيه ظروف اجتماعية وفكرية خاصة اعتبار التطور قانونا أخلاقيا أي اعتبار كل طور جديد أفضل من الطور الذي سبقه على الإطلاق مع أن التطور قانون اجتماعي واقعي ولا يقتضي مطلقا تفضيل الطور الأخير على الأطوار السابقة له.

إن فكرة التطور الاجتماعي أخذت من فكرة التطور الحيوي (البيولوجي) والتطور في الحياة يكون تحسنا وارتقاء وقد يكون ترديا وانتكاسا بل انقراضا.

فإن أكثر المذاهب الفلسفية والاجتماعية في أوربا تقول إن الأخلاق ليس لها مقاييس ثابتة ولا أحكام ثابتة فلكل قوم أخلاقهم فقوم يرون أن شرب الخمر رذيلة وشر، وغيرهم يرى فيها غير ذلك، وبعضهم يرى أن الزنى شر ورذيلة، وبعضهم يرى فيها إكراما للضيف فالقضية قضية نسبية وليس هنالك قواعد أخلاقية مطلقة وليس هنالك حقيقة أخلاقية مطلقة وإنما القضية نسبية، فاختر إذن ما بدا لك وكلما تطور المجتمع نحو فكرة خلقية جديدة فهي الأخلاق التي يجب أن تتمسك بها. هذه الفكرة أيضا من الأفكار التي اعتقد أنها نتيجة من نتائج الظروف التي مرت بها أوربا.

إن هذا الغزو الفكري الذي غزينا به بنتيجة الالتقاء بين المجتمع الإسلامي والمجتمع الأوربي كان له تأثير عميق في الفكر الإسلامي الحديث. حتى أن جمهرة الشعوب الإسلامية والطبقة المثقفة منهم خاصة بل غير المثقفة تأثرت بهذه الأفكار سواء أولئك الذين يتنكرون للقيم الإسلامية وأولئك الذين يقبلون الإسلام ويدينون به.

ازدواج الشخصية

فمن المسلمين ـ وهذه ظاهرة تلفت النظر ـ من هو مسلم في شعائره ولكنه غير مسلم في تفكيره بمعنى أنه يتألف من شخصيتين مزدوجتين. فهو قد عاش في بيئة اعتادت التدين فهو متدين ولكنه نشأ في بيئة ليس لها من المفاهيم الفكرية الإسلامية ما يتناسب مع مستوى تفكيره فهو يفكر تفكيرا غير إسلامي إذا فكرفي شؤون الحياة سواء في شؤون الحياة العامة الفكرية أو الاجتماعية أو الخلقية أو السياسية أو غير ذلك وهو في حياته الخاصة يعتبر مسلما. هذا نوع من المخلوقات الفكرية أو النفسية الجديدة في عالمنا. وكان في العالم

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٠٥