تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تستطيع؟ فأنتم شباب اليوم ضعيفو القوى تعلمتم العجز بركوب (عود الريح) والطوبيس والطاكسيات وغيرها، لذلك كنتم تشتكون دائما من أمراض متعددة، فهذه أمراض الكبد، وهذا .. وتذهبون عند النصارى ليحرموا عليكم أكل كذا وكذا من نعم الله، وليغرزوا في لحومكم الابر والشوكات، أتعلم أنني بقيت وأنا في ضعف سنك صحيح الأضراس والأسنان ولا أمتنع عن أكل شيء مما أحل الله دون شوكة الطبيب.

ـ معك الحق يا عمي هشوم في كل ما تقول، هيا حدثني عن الكهف الذي ذكرت. أين هي تلك الأيام التي كانت أيام شجاعة. وخير وبركة. أتدري أن ريالا واحدا كان يكفي لمؤونة شهر، من زرع وزيت وسمن وعسل وخليع وقطنية، وغيرها من لحم وخضر؟ لكن الريال اليوم لا يساوي إلا ثلاثة أعراش من النعناع، آه على تلك الأيام، وحمد الله، كانت أيام بطولة وشجاعة، كان رماة المدينة وشجعانها يخرجون للصيد «بمكحلاتهم» فيقضون عدة أيام في الفرجة والنزهة والصيد فما شئت من حجل، وما شئت من أرانب، وما شئت من دجاج الماء علاوة على الخرفان التي يتفارضون في شرائها من الدواوير المجاورة، وفي الليل كانوا يلتجئون إلى كهف فسيح يسع أكثر من مائة فارس يقع قرب النهر ليسمروا على الأمداح والسماع والغناء، أين هو الشيخ العربي الذي كان لا يخطئ الهدف أبدا؟، وأين هو المعلم العربي الذي كان لا يفلت (الزوانة)؟ واين (أبا عباس) مضحك الرماة وأكثرهم لجوءا إلى صيد السمك بيده، فقد كان (بدادا) بارعا؟ كل هؤلاء ذهبوا ألحقنا الله بهم مسلمين .. وبقي ذلك الكهف يحمل اسمهم تخليدا لبطولتهم.

ـ كان هذا حقا ولكن الزمان مع ذلك لا ينسى أن الاستعمار دخل إلى البلاد بالرغم عن شجاعتهم وبطولتهم.

ـ لا تقل هذا، واستغفر لله يا ولدي، لم يدخل النصارى إلى البلاد لجبن في شجاعة أبطالنا، ولكن لحيل النصارى ومكرهم واتخاذ صنائع لهم من ذوي البيوتات ممن كانت لهم حماية الدولة الفلانية أو غيرها، فكان ما يغدق عليهم من الوزير) وسيلة لشراء الضمائر واتخاذ الاعوان والأصحاب واستغلال هؤلاء لهتك الاعراض، أنت لا تعرف عبد القادر بن شهبون تصور أنه كان يجلس على (فرتالته) بباب الدرب وحوله أعوانه المسلحون ـ وكان من أصحاب الحمايات فلا تمر أمرأة يروقه جمالها حتى يوعز إلى أصحابه بحملها إلى منزله، وقد يروق له أن يوعز إلى أحد خدامه بخرق عمامة أو (قب) أحد المارة ب

حبة من مكحلته وقد تصيب المسكين في الرأس فيقع إلى الأرض (يفركل) في دمه، يضاف إلى كل كثرة الفتانين والمشعوذين وقطاع الطرق، وكثرة الجواسيس في ثياب مختلفة، ومع ذلك فقد كافح المخلصون، واستشهد كثير من الشهداء، حتى النساء ساهمن بحظ وافر، رحمك الله يا عمتي نجمة، فلقد صعدت إلى السطح لتطل على مواكب المجاهدين وإذا بها تجد نصرانيا مختبئا بين (شقوف) الغرس وقد هرب من (فوندة) للنصارى هجم عليها ثلة من الشبان وكان بها نصارى كثيرون .. يتناولون طعام الغداء، فما كان من العمة نجمة إلا أن حملت ركيزة من ركائز السطح التي ترفع بها الحبال وقد نشرت عليها الثياب، وأخذت تطعنه وتضربه على رأسه وهو يستعطف: (أوجه مولانا، أنا نسلم) خذي ما عندي من لوزير، وثيابي وكل ما عندي ولكن نجمة كانت مسلمة لم تكف عنه حتى تركته صريعا.

وهب ريح بارد وبدأت الأمطار تنزل خفيفة لتشتد بعد حين فحاولت صرفه عن الذهاب للصيد، ولكنه أصر على متابعة سيره.

وقبل أن أودعه داعيا له بصيد غزير، احتد عمي هشوم وهو يقول: متى كان المطر حائلا دون الرجل والعمل من أجل قوت أولاده؟ ثم أنني ـ بارك الله فيك ـ لم يسبق لي وقد تجاوزت الستين أن قبلت الصدقة من أحد!.

الرباط ـ محمد الأمري

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٦٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٦٨٩