تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع3 /ديسمبر 1962 .................... ص 67

كهف الرماة

للأستاذ: محمد الأمري

ذرف على الستين وكان مع ذلك يبدو منتصب القامة، وقد خطت السنون على جبهته وخديه أخاديد عميقة تنبئ عن معاناة أحداث وكفاح مرير، عرفته صائدا للأسماك، ينتقل بين الغدر والوديان بـ (غرافه) الذي صنعه بيده من القنب المتين، وسلته التي كان كل أمله أن يعود بها إلى المدينة مع الغدوة وقد ناء بحملها مما تحويه من سمك بلدي و (بوقة)، ولا يكاد يسند ظهره إلى أسفل صومعة المدرسة العنانية بضع ساعات حتى يكون الزبناء قد أتوا على ما فيها ليجمع ثمن سلعته النافذة في كيس تحتاجه الدار من مؤونة. فإذا نفذت الدريهمات بعد يومين أو ثلاثة فليحمل (غرافه) وعصيه وسلته وليتجه راجلا إلى نهر أو غدير غير الذي بات به في المرة الأخيرة، قد يكون سبو قرب قنطرة مولاي رشيد وقد يكون وادي فاس أو بعض روافده، وقد يكون إحدى سواقي (بوركايز) ولاسيما (العربة) التي لا تضن عليه مما بها من (بوقة) سمينة بيضاء كالفضة وسمك بلدي ذي زعانف كالعاج، وقد يكون (عين السمن) تلك التي ترتعش فرائصه كلما عزم على الذهاب إليها، لأنه لا ينسى تلك الليلة من ليالي مارس وقد انفتحت أنابيب السماء وتحولت إلى بحر زخار تتلاطم أمواجه ليومض برق خاطف ويهزم رعد قاصف، كان ناصبا (غرافه) بمضيق على بعد مسافة من رأس العين معتمدا على العصا الصغيرة التي تدع فم الغراف مفتوحا حتى تلج الأسماك إلى الدخل ليشعر بدخولها بواسطة إبهام رجله اليمنى الذي يكون عادة داخل إحدى فتحات الشبكة، ليسرع برفع «الغراف» بواسطة العصا ويخرج ما به من الأسماك ملقيا به إلى السلة التي يحملها على ظهره وقد حاذى فمها قفاه، بينما هو كذلك وإذا به يلمح من بعيد موكبا يحمل شموعا ويسمع أصوات صرنايات ودقات طبول تؤلف جميعها نغمة جبلية كان يرقص لها لو سمعها في غير هذا الموقف، تتخلل كل ذلك زغاريد نساء من نوع غريب وفي وسط الموكب فارس يمتطي جوادا يهتز للنغمات الجبلية، وإلى جانبه بغلة على متنها امرأة في ثياب العرس، هل يمكن أن يكون موكب هذا العرس لا نأسى في مثل هذه الليلة الماطرة؟ وتلك الشموع لم لا تطفئها الأمطار والعواصف؟ إنه عرس أهل المكان من الجنون، ليبق في مكانه إذا قبل أن يلمحوه ويوقعوا به، ولا يكاد يبتعد الموكب حتى يخرج من الساقية ويعجل بالعودة إلى المدينة حيث يقضي نصف شهر صريع الحمى لولا أن جاءه الفرج على يد الفقيه (الغمري) الذي كتب له عدة «زلافات» بالصمغ محا ما بها بماء الزهر وشربها، كما كتب له عدة حروز بخر بها وحجابا حفظه في غلاف من النحاس الأصفر وعلقه عليه، ولم يعد يقصد عين السمن إلا بضع مرات في السنة رغم أن الفقيه الغمري أكد له أن الحجاب المغلف بالنحاس سيقيه كل شر ويدرا عنه العفاريت والشياطين، سألته وقد لقيته خارجا من باب (الشاكمة).

على من ستكون ضيفا هذه الليلة يا عمي هشوم؟ سأروح إلى (العسرية) إن شاء الله، فالجو ينذر بالمطر وبوسعي أن ألجأ إلى (كهف الرماة) حيث أجمع حطبا وأشعل نارا أتدفأ بها.

ـ إنك لم تحدثني عن هذا الكهف من قبل

ـ إنني مستعجل وبوسعي أن أحدثك عنه إذا استطعت أن تقطع معي بعض المسافة، أم أنك لا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٦٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٦٨٨