وسألت الطالبة أستاذها عن سبب يأسه وألمه فلما أجابها بكلام فيه شيء من القسوة انصرفت إلى حجرتها وهي تمشي مشيا وئيدا.
وعكف الأستاذ على الفن خلال عشرين عاما لم يشعر فيها بأي أحساس من هذه الأحاسيس التي تضطرب لها نفوس البشر. غير أنه أحس بتغير غريب في اليوم الذي أقبلت فيه الطالبة «هارونة» على المدرسة ثم شرع يتيه في التفكير فيها. ولم يعد يستطيع بعد ذلك أن يصرف نظره عنها كلما اقتربت منه أو يعجز عن الاحتفاظ بوجهها في مخيلته كلما انصرفت عنه. وقد وصل به الأمر أن أخذت أحلامه تضطرب برؤيتها.
ولم تكن الفتاة تعلم من ذلك شيئا. فهي لم تكن تعلم أنها مسؤولة عن اضطراب أستاذها الوقور المبجل وقد اندهشت واستبد بها الارتباك عندما حاولت مساعدته على استعادة طمأنينته وهدوء نفسه.
ولم تعد الطالبة الفتاة تنعم براحة النوم لأنها كانت تبحث في سلوكها عن الأسباب المحتملة لاضطراب نفس الأستاذ.
ولا يكاد الصبح يتنفس وتشرع الطيور في تغريدها حتى تسارع إلى حجرة الأستاذ فنجده قد أخذ يتهيأ للصلاة. غير أنها لاحظت ذات يوم على الأستاذ أنه لم يعد بئيسا وأن وصول الطلبة والأساتذة إلى المدرسة قد عاد يلهيه ويسليه.
وكانت الطالبة تفرغ بعد العشاء للعزف فلا تعود إلى حجرتها للنوم إلا بعد أن ينتصف الليل فتمر بنافذة الأستاذ الذي كان يعجب بسهادها ويستغرب له فلا تجيبه إلا وجلة عند ما يلاحظ عليها قرب الصباح.
واقترب منها الأستاذ ذات ليلة فلما رفعت إليه عينيها هالها أمره من فرط غلبة الشهوة عليه ففرت منه فما رآها ترتعش من الخوف وتنادي أباها بصوت مرتجف أدرك سوء عمله وأحس بالعار والمهانة قبل أن يستسمحها ويبتعد عنها مسرعا دون أن ينتظر منها جوابا.
ولما جاءت الفتاة إلى حجرة الأستاذ في صباح الغد وجدته جالسا وقد وضع يديه على ركبتيه فذهبت إلى المعبد للصلاة. فلما عادت وجدته على نفس الحالة فاقتربت منه مستغربة ووضعت يدها عليه فإذا الأستاذ جثة هامدة باردة. ولم تتمالك الفتاة أمام تلك المفاجأة من الصراخ فأغمي عليها وخرت عند قدمي الأستاذ.
الرباط ـ ترجمة عبد اللطيف الخطيب