تنفير الفئات قلوبها التي لما يدخل الإيمان بالشيوعية إلى قلوبها، والتزم أيضا التقيد بالأحكام الدستورية أوفر من زميله بموسكو. ومن هنا بدأ الاختلاف في سياستي الدولتين الداخلية.
الانقلاب في الموقف تجاه الشيوعية بموسكو وبكين
حفلت سنة 1960 بانقلاب فجائي في موقفي كل من الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية، فموسكو الموسومة بالعنف جنحت إلى التبشير بالتعايش السلمي بينما ألبرت بكين المفطورة على حب السلام لمعارضة موسكو، واتهامها بأنها تنكرت لمبادئ ماركس ولينين وذلك عند ما دعت للتعاون مع الاستعماريين، وحينما نبذت روح العنف الثوري من أجل استيلاء الشيوعيين، في كل مكان، على الحكم. ورددت بكين القول: «لن نوافق، ولن نقبل على الإطلاق التعايش السلمي، بين الفارس والفرس».
ـ فلماذا هذا التبدل؟
لا وإنما يعود السبب إلى مصدر آخر يتصل بجزيرة تيه ـ وأن المحتلة المعروفة عندنا يفورموزة. فهذه عند الصينيين، هي كفلسطين بالنسبة للعرب، أنشودة الأناشيد، وقافية القصيد. ففي الخطب التي تسمعها وأنت في الصين الشعبية يتردد على مسمعك كثيرا ذكر هذه الجزيرة السلبية في سياق إثارة المشاعر لاستردادها. وفي المعاهد العلمية والحدائق العمومية، وفي بعض الشوارع الكبرى تلفت نظرك لوحات كبيرة تشير إلى أن نبه ـ وإن هي جزء لا يتجزأ من الصين. لذلك فإن الصين الشعبية لا تفهم، ولا تريد أن تفهم كيف أن حليفتها تتسامح في الدعوة إلى التعايش السلمي بينما أن جزيرتها المحبوبة لا تستعاد إلا بالحرب.
والصين لا تريد أن تفهم كيف تصافح موسكو واشنطن، وهي التي لا تفتأ تصر على أبعادها عن هيئة الأمم المتحدة متجاهلة وجودها رغم أن عدد أهلها يبلغ نحو أربعة أمثال عدد سكان الولايات المتحدة.
انتصار خروشوف رئيس الحزب الشيوعي السوفياتي على ماوتسيننغ رئيس الحزب الشيوعي الصيني
إن هذا الخلاف بين الصين والسوفييت يبدو بالنسبة لموسكو خطيرا خصوصا وأن العالم يجتاز الآن أزمة سياسية ملتهبة. لذلك رأت موسكو أن تكتسب مناسبة إحياء ذكرى مرور 43 سنة على ثورة تشرين الأول (أكتوبر) لدعوة الأحزاب الشيوعية إلى عقد مؤتمر عام. وقد كان المؤتمر ناجحا إذا اشترك فيه 81 حزبا، وحضره كل من ليوشاشي رئيس جمهورية الصين الشعبية، وليونيد بريجنيف رئيس هيئة السوفييت الأعلى. غير أن جلساته استغرقت عدة أسابيع لتقريب وجهتي النظر بين موسكو وبكين.
أما النصر فكان في نهاية الأمر حليف خروشوف.
وقد أصدر المؤتمر بلاغا في شهر كانون الأول «ديسمبر» 1960 وصفته الأنباء السوفييتية بأنه «البرنامج الماركسي اللينيني الشيوعي للعالم بأسره».
وهو في الواقع بلاغ يخرج عن تعاليم ماركس ولينين بالأمرين التاليين:
1) يجب أن يعيش الشرق والغرب معا دون إثارة أخطار الحرب النووية.
2) على الشيوعيين المحليين أن يواصلوا جهودهم الوصول إلى الحكم في مناطقهم دون اللجوء إلى القتال الملح.
وبحسب الظاهر فإن الخلاف بين موسكو وبكين قد سوي في هذا المؤتمر خصوصا وأن البلاغ تضمن ترضية للصين العبارة التالية: «إن التعايش السلمي لا يفيد التخلي عن كفاح الطبقات، ولا تصالح بين المذاهب المختلفة، وإنما المقصود به تجنيد الجماهير وجميع القوات لمقاومة إعداء، وخصوم الاستقرار».
ولكن هذه العبارة التي زجت في البلاغ بغية الوصول إلى اتفاق لا تحل الخلاف إلا بصورة ظاهرة ودبلوماسية. وأما الصين فهي، في الواقع، لا تزال على رأيها من حيث إنكار كل تعايش سلمي ما دامت تيه ـ وأن محمية من العم سام. والصين ما رضخت لرأي الكثرة في المؤتمر إلا مراعاة لظروفها الاقتصادية ولحاجتها الماسة لمساعدة موسكو، وسوف يكون لهذا الخلاف ذيول.
بيروت ـ محمد جميل بيهم