تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتألبوا عليها منذ عام 1917، وعملوا جاهدين على إثارة الفتن في أمصارها، وإمداد أعدائها في الداخل والخارج بالأموال والعتاد.

هذا إلى أن الاتحاد السوفييتي يتألف من بلاد فسيحة الأرجاء تمتد من البحرين البلطيكي والأسود إلى بحري الصين واليابان، بلاد تقدر مساحتها بـ 22400000 كيلو متر مربع، وتقوم فيها خمس عشرة جمهورية، وخمسون قومية لا تمت لروسيا بسبب، ولا يجمع بينهما دين، ولا تقاليد. قوميات أدخلت في الحكم الروسي بالقوة، وحملت على الرضوخ للشيوعية بحد السيف.

وأما الصين فهي في أقصى الشرق. وشيوعيتها، وإن تعرضت، ولا تزال لمؤمرات الغربيين، إلا أنها ما شعرت يوما بجزء من الخطر الذي كانت تشعر به روسيا عقب ثورتها الحمراء. هذا فضلا عن أن الصين، رغم اتساع رقعتها الجغرافية وتعدد قومياتها، فإنها تعتبر كتلة واحدة بالنسبة لروسيا.

وكان من عواقب التباين في الظروف السياسية والأوضاع الجغرافية بين موسكو وبيكن ظهور بون شديد في سياسة كل منهما الداخلية. فهما وإن اتفقا على الحذر من أعداء الشيوعية إلا أن ظروف روسيا وأوضاعها جعلتها أشد حذرا، وحملتها بالتالي على أن تلجأ للعنف والقسوة في أول الأمر، ثم على أن تجنح إلى سياسة الإرهاب، وإلى الشدة حين الحاجة بعد أن استتب لها الاستقرار.

اختلاف عناصر الثورة في البلدين يؤدي إلى اختلاف في سياستهما الشيوعية

كانت الثورة الروسية ثورة عمالية. والعمال أشد تكتلا وتنظيما من الفلاحين، وأقرب تفهما لمبادئ كل ثورة. وقد التفوا حول دعاة الشيوعية، منذ الثورة الأولى سنة 1905 التي باءت بالفشل، ثم التفوا حول لينين وصحبه حينما استأنفوا الثورة خلال الحرب العالمية الأولى فقدر لهم النجاح.

وأما في الصين البلد الزراعي فإن الفلاحين الذين كانوا دعامة الثورة لم يكن الحافز لهم على حمل السلاح مبدأ من المبادئ الاجتماعية، وإنما ثاروا عن كراهية شديدة للأجانب الذين استثمروهم مدة طويلة واستعبدوهم.

ثم لماذا أقبل الصينيون على روسيا؟ واستطابوا شيوعيتها؟.

أقبلوا عليها من جراء ما عاناه الشعب من إرهاق في ظلال حكامهم «أبناء السماٍء» الذين انحطوا، في أواخر أيامهم، إلى مستوى الاستعانة بالأجانب على تذليل شعبهم المتذمر.

وأقبلوا عليها لأن الاتحاد السوفييتي عرف كيف يكسب قلوبهم، فقد أظهر مرونة سياسية ما مثلها مرونة حينما عزف عن سياسة إملاء الفراغ، أو سياسة «قم لأجلس مكانك» التي ما يزال الغرب يتمشى عليها، كما نوهنا بذلك في كتابنا «واشنطن تعبد الطرق لموسكو في بلاد العرب والمسلمين».

أجل فمند عقد السوفييت معاهدة مع الصين عام 1924 تخلوا فيها طوعا عن الامتيازات التي كانت لروسيا القيصرية، بينما كانت الدول الغربية لا تفتا تظهر الحرص الشديد على استبقاء امتيازاتها في الصين، وعلى استثمارها كمزرعة لها. وأكثر من ذلك فقد كانت لا تستعين بالقوة من أجل الحفاظ على الاستعمار فقط، بل تلجأ إليها من أجل الاستمرار على تسميم الصينيين بالأفيون حتى سميت إحدى الحروب التي شنتها على الصين بحرب الأفيون.

ثم ما أن قامت الجمهورية الشعبية في بكين سنة 1949 على إنقاض جمهورية شان ـ كأي ـ شك الموالي للغرب، وذلك بمساعدة موسكو، حتى أقبلت هذه على إمدادها بالمال والرجال من أهل الاختصاص دون أي شرط، ولسان حالها بقول: «لا نريد منكم جزاء ولا شكورا».

فالشعب الصيني المزارع، الذي هو أشد الناس حفاظا على تقاليده، والذي كانت كثرته أبعد الناس عن تفهم المبادئ الاجتماعية والتمييز بينها، استطاب مواقف الروس حياله خلال ربع قرن، لا الشيوعية نفسها، فمشى وراء الجزب الشيوعي ف ثورة على جمهورية شان كاي شك. كما أن هذا الحزب الذي قاد الثورة وتبوا كرسي الحكم، منذ سنة 1949، التزم في نشر مبادئه الشيوعية، سياسة الابتعاد عن

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٦٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٦٧٠