الاختلاف في الأخلاق بين الصين وروسيا
بين الأمتين بون شديد في الأخلاق الفطرية حتى يصبح اعتبار كل واحدة منهما مثلا على التطرف في الناحية التي تلتزمها. أهل الصين مفطورون على الوداعة واللين وحب السلام نتيجة لتعاليم بوذا التي أخذوا بها خلال آلاف السنين. وهم إذا رددوا كثيرا كلمة السلام فإنما يرددونها عن عقيدة وإخلاص. هذا فضلا عن أنهم مفطورون على السماحة حيال كل الأديان عملا بهذه التعاليم.
أما الروس فقد خلقتهم طبيعة بلادهم القاسية أشداء، وبالتالي عنيفي الطباع، وجعلتهم متعصبين لكل مبدأ يعتقدونه تعصبا أعمى، ومفرطين في الكفاح عنه وفرضه على الآخرين. كانوا كذلك في عهد القياصرة بالنسبة للدين، ولايزالون على ما كانوا عليه عهد الشيوعية.
لذلك فإن الصينيين وأن أعتنق بعضهم المذهب الشيوعي، واستأثروا بالحكم بمؤازرة موسكو، إلا أن هؤلاء درجوا على نشر الشيوعية بالتزام طرق تتفق مع طبيعتهم السلمية. فلم يمارسوا على الغالب، البطش والعنف للقضاء على خصوم الشيوعية، وإنما اختاروا الاستعانة على ذلك بالمدارس والدعايات والزمان، بالإضافة إلى وسائل التشويق والترغيب، وتأمين منافع لذويهم لا يدركها الآخرون. قد لا تشعر حتى ولو كانت في الصين، بأن النظام الرأسمالي لا يزال فاشيا فيها، وأنه رغم ما بذلته الحكومة القائمة والحزب الشيوعي من الجهود الجبارة لتحويل البلاد إلى النظام الشيوعي، فإن ثلثي الأراضي الزراعية لا يزالان في حوزة أفراد يستثمرونها لأنفسهم، وأن ثلاثة أرباع الصناعات اليدوية لا تبرح في أيدي غير الشيوعيين، وتستثمر من قبل أصحابها.
وقد لا تشعر أيضا، وأنت ترى الحزب الشيوعي يسيطر على البلاد سيطرة تامة، بأن هناك أحزابا كثيرة أخرى، بعضها من أهل اليمين الذين يمثلون الرأسمالية. والواقع أن الحزب الشيوعي الذي لا يزيد عدد المنتسبين إليه، بمقتضى إحصاء سنة 1959، عن 1214000 شخص إنما هو يحتفظ بالحكم ليس لكثرة الشيوعيين في الصين، بل استنادا إلى أنه أوفر الأحزاب عددا، وأفضلها تنظيما، وإلى أنه يستمد القوة من موسكو.
على أن الأحزاب الأخرى لم تهن ولم تستكن، بل مازال بعضها يقوم تباعا بمحاولات لقلب الحكم القائم.
وقد تميز عام 1956 بكثرة هذه المحاولات، ثم لم تخل السنون التي تلته من مؤمرات على الوضع.
أمثلة على اختلاف الصين وروسيا في الأخلاق
الموت. الإعدام. أو النفي إلى مجاهل سيبريا عند الرحمة، هذا جزاء الذين يتآمرون على الحكم القائم في موسكو، أو بالأحرى جزاء المنحرفين. أما في الصين فالصفح يقدم في كثير من الأوقات، على القسوة. ففي عام 1957 حاول اثنان من نواب حزب اليمين في مجلس الأمة قلب نظام الحكم. ولكنهما فشلا ووقعا في قبضة السلطة وأحيلا إلى المحكمة. وكانت النتيجة أنهما استبقيا في المجلس لأن أحدهما اعترف بخطئه، ولأن الأسباب القانونية لم تتوفر لإدانة الآخر.
وكان أكثر من مائة ألف شخص يعملون في مكاتب الدولة والمدارس والمؤسسات الثقافية والدوائر الصحية والمشاريع الصناعية والهيئات المحلية للأحزاب الديمقراطية قد وصفوا، سنة 1958، بأنهم أعداء الشيوعية، وأمسوا عرضة للعقاب. ولكن سرعان ما صدر قرار بالعفو عن الأشخاص الذين أعربوا حقا عن صلاحهم، فإذا بالدولة تصفح عنهم تباعا، وإذا بأنباء روتر تنقل إلينا عن بكين، في 29 كانون الأول 1960 «إن السلطات الصينية أزالت وصمة اليمينيين عن أكثر من 1270 شخصا تمشيا مع هذا القرار.»
وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الشيوعية في الصين الشعبية لا تزال عرضة لمؤمرات فرموزا، ومن ورائها واشنطن، قدرنا قيمة هذه السماحة التي تمارسها بيكن حيال الذين تعتبرهم من المنحرفين.
الأوضاع المحلية والظروف السياسية
وهنالك أسباب أخرى مهمة غير تباين الأخلاق لاختلاف موقف بيكن وموسكو حيال الشيوعية، وأعني بها الظروف السياسية، والوضع الجغرافي: فروسيا جزء من أوروبا. لذلك فما أن انقلبت إلى دولة شيوعية حتى ألقت الرعب في قلوب ساسة الغرب، وقضت مضاجع الرأسماليين والأرستقراطيين، فتنادوا