تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كذلك من نزوع البورجوازية القديمة إلى الانفصال عن كثير من المفاهيم والمعقولات التي كانت ذات أساس فعال في مجال حياتها العامة، وأكثر من ذلك كله وأهم: ازدياد الاحتكاك بين عموم الجماهير الشعبية من جهة، وبين مكيفات العقلية الاجتماعية الحديثة من جهة أخرى، الأمر الذي يساهم بدون انقطاع في تعديل مناهج الحياة الاجتماعية بالحواضر المختلفة. ويكاد يؤدي في الأمد الطويل إلى تغيير هذه المناهج، وتطويرها تطويرا جذريا حاسما.

أما في إطار الحقيقة الثانية، حقيقة الوعي الشعبي المتزايد باستمرار، فإنه من الميسور للمراقب أن يلاحظ في هذا الشأن كثيرا من المظاهر الهامة التي لها دلالتها في الموضوع ومن بين هذه المظاهر ما يتصل بازدياد النزوع إلى التطور الطبقي ـ الاجتماعي عن طريق التعلم، واكتساب المعرفة، وذلك ما يتبين لنا من ظاهرة الإقبال الشديد على المدارس والمعاهد المختلفة، هذا الإقبال الذي ما فتئ يرتفع بعد الاستقلال، ويتصاعد تصاعدا مثيرا ومعجبا، ومن هذه المظاهر أيضا ما يتمثل في ارتكاز الوعي الصحي بين الطبقات الشعبية، واشتداد الميل عند الفرد إلى مراقبة التطورات المرضية التي قد تقع له، بل واتخاذ الاحتياطات الوقائية، من سلبية وإيجابية ـ المتعلقة بكل ذلك مما يقتضيه المقام، هذا إلى مزيد من التأثر بالأفكار الاجتماعية الليبرالية المتصلة بمستوى العيش، والضمان المتبادل، وحقوق المواطنة، والواجبات المترتبة عنها وغير ذلك مما له صلة بوضعية الفرد والأسرة داخل أي مجتمع حديث ناهض ومتطور، وبالطبع فإن هذه الظاهرة لا تشكل بالذات حقيقة تطور حاسم، متكامل العناصر والنتائج بصورة كافية، ولكنها تعكس ـ على أي حال ـ واقعا اجتماعيا متحولا له ـ كما ذكرنا ـ أهميته وخطره في المدى البعيد والقريب، ولكن إلى أين يتجه هذا التطور الذي تتحكم فيه ولاشك حتمية التاريخ، وتفاعلات الحياة العالمية الحاضرة، واستعدادات المجتمع المغربي الطبيعية؟. وفي هذا المجال يكون علينا أن نتساءل من جانب آخر: هل لحركات التطور دائما من هدف نهائي وحاسم، تقصد إليه وتتوقف عنده؟ بالطبع لا، فالتطور تطور، ولا يمكن أن يتجمد على حالة معينة، مهما كانت المقتضيات التي توجب ذلك، ولهذا فإنه لا يبدو من الطبيعي أن تكون هناك حدود تتضاءل عندها دينامية التطور، أو يعتبر بالنسبة إليها قد استنفذ طاقاته واندفاعاته، لكن هناك مع ذلك مراحل وأشواطا تجتازها حركة التحول عند الأمم الناشئة المتطورة، بل إن هناك أيضا أهدافا قريبة وبعيدة، تتبناها الأمم من هذا النوع، وتتوخى الوصول إليها ـ ولو أن هذه الأهداف لا يجوز أن تعتبر ـ في أي حال ـ أهدافا نهائية يصبح التجمد بعدها شيئا ممكنا ومعقولا، وغني عن البيان أن الأهداف ذات المدى البعيد هي بالضرورة أهداف كبيرة وعملاقة ليس التوصل إليها ـ بصورة حقيقية ـ شيئا بسيطا وميسور المنال، والحالات التي تتوخى من هذه الأهداف هي ـ في الغالب ـ حالات مثالية متسامية، تنصب في مجموعها على محاولة تكوين المجتمع الصالح، الذي لا يجد فيه المرء مجالا للخوف من جهل أو فقر أو مرض، وتتوافر فيه الفرص المتكافئة للكل، في ظلال من روح الإنسانية والأخوة والسلام، وفي نطاق المحبة والتضامن والتكافل، أما الأهداف القريبة الآنية فهي هذه التي تقتفيها الأمم، كل الأمم للتوصل إلى تحقيق حالات مثالية من هذا القبيل، إنها تتمثل في الحركات الاجتماعية المتتالية، المتركزة على مبدأ التجديد والنمو، والمتبلور في مظاهر تطورية مختلفة، كالتي تتراءى من خلال الواقع الاجتماعي الذي نعيشه وفي نطاق ذلك، فإن عوامل التطور ـ على العموم ـ تتداخل في بعضها البعض، وتتفاعل تفاعلا مستمرا، يبدو ـ أحيانا ـ على درجة من التشابك والتعقيد، فالتحول الاجتماعي يتخذ في كثير من الحالات، صورة تطور فكري ومعيشي وسلوكي وغيره، على اختلاف النسب والمستويات، وعلى هذا فإن لارتفاع المستوى التعليمي والاقتصادي صلة كبيرة بحالات التقدم الاجتماعي في بعض الصور على الأقل، كما أن هذا التقدم الاجتماعي نفسه، يؤدي في الغالب الأعم، إلى كثير من الإقبال على موارد التطور الفكري الذي هو أقل الجوانب بروزا في هذا البلد، ولا يعنينا ـ في هذا المضمار ـ تتبع ظاهرة التخلف الفكري عندنا وتأخرها عن مجالات التطور المجتمعي والاقتصادي في وضعنا الراهن، فقد استلفتت هذه الظاهرة الكثير من اهتمام الباحثين من قبل، ـ وكان لها دائما من استقصاءاتهم وتمحيصاتهم الشيء الكثير، إلا أن الذي يهمنا الآن في هذا الموطن هو النظر خاصة في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٦٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٦٥٧