تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اتجاهات التطور الاجتماعي بالمغرب، وما يخلقه ذلك من مسائل وقضايا غير بسيطة، سواء على الصعيد المبدئي البحت، أو من حيث الواقع القائم بالفعل.

فقد انقضى وقت غير قصير، منذ أن بدأ مجتمعنا التقليدي يطل بالفعل على آفاق الحياة الدينامية المعاصرة، ويرتبط بمعطياتها ارتباطا يمتد أحيانا ويضعف أخرى بحسب الصور والحالات، ويوجد البلد الآن ـ وهو يكاد يكون ـ باعتبار كثير من المظاهر المائلة ـ يكاد يكون من بين دول العالم الثالث الأكثر تطورا من الناحية الاقتصادية والتجهيزية والاجتماعية أيضا، غير أن هناك ـ في مجال التعرض لهذه الحقائق ـ أساسا صحيحا لملاحظة بعض الظواهر العامة التي تثير الاهتمام وتدعو المرء إلى استعراض بعض التساؤلات في الموضوع، وعلى ذلك، فما هي العوامل العامة التي تتحكم في سير التطور الاجتماعي عندنا بهذا البلد؟ ثم ما هي النتائج الكبرى التي يمكن أن يؤدي إليها هذا التطور؟ وماذا يجب أن يكون عليه الأمر في هذا المجال ـ وذلك على ضوء المثاليات المبدئية التي ندين لها، ولا نتأخر عن تأكيدها في جميع الظروف والمناسبات.

إن الحقيقة الأساسية في هذا الصدد ـ هي أن التطورات المتلاحقة التي يعرفها مجتمعنا المعاصر هذه التطورات تخضع ـ كغيرها من مختلف الظواهر الاجتماعية في العالم ـ لجملة من المؤثرات العامة والخاصة، التي تختلف عن بعضها البعض، من حيث الأهمية والمفعول، وهذه المؤثرات تعود ـ في الدرجة الأولى ـ كما قدمنا ـ إلى التضافر الحاصل منذ عقود من السنين ـ بين استعداداتنا الفطرية والذاتية وبين تيارات التحول العام الشامل الذي ما انفك يجتاح مختلف أرجاء العالم، على أن هناك ـ من جانب آخر ـ حقيقة أساسية وملحوظة لها أكثر من اعتبار في هذا المقام، وهي أن التفاعل هذا بين استعداداتنا ووجهاتنا الطبيعية من ناحية، وبين واقع العالم الحديث من ناحية أخرى .. هذا المجال المتهيئ من التفاعل والحاصل بالطبع على صور مختلفة وواسعة مما نعيشه الآن .. لم يكن له ـ مع ذلك ـ ليؤثر كل هذا التأثير الراديكالي على صورة حياتنا العامة الحالية لو لم تكن هناك «مستفزات» أخرى هامة ـ ولو أنها فرعية ـ لم تفتأ تحدث الكثير من التأثيرات في هذا المجال، ومن بين هذه «المستفزات» مثلا قيام حالات خاصة من التنبه وتركز الوعي، ناشئة في عمومها عن ظروف الحرب العالمية الثانية، والاتصالات الإنسانية الواسعة التي حتمتها ملابساب هذه الحرب، والانجرافات الفكرية العالمية التي كان من اللازم أن تحدثها على نحو آخر، ومن بين «المستفزات» كذلك ظهور بعض الإصلاحيين التطوريين في فترة «اتجاه» حاسمة وأساسية من تاريخ البلد ونجاحهم في اصطناع ظروف معينة لتسهيل بل وتعزيز اندفاعية التحول الحتمي، ثم توافر كثير من الإمكانيات لهم لتحقيق قدر من التجاوب والتصادي في هذا المضمار نطاق مع عموم الجماهير والكتل الشعبية، وذلك ضمن نطاق يتضاءل تارة ويتسع أخرى، وفي مجالات تتراوح بن السطحية التامة والنسبية، وبين العمق والتركيز على مستويات مختلفة وحسب الأحوال والمقتضيات والاستعداد ويتصل بكل هذا، ما كان حاصلا دائما في الأذهان من ارتباط جذري بين مفهوم التحرر القومي من جهة، والتطور الاجتماعي عند عموم الشعب من جهة أخرى الأمر الذي كان من نتائجه الملحوظة أن شاعت الحركة الوطنية ـ وخاصة منذ تطورها الحاسم أواخر سنة 1943 ـ عاشت عددا من التجارب التطويرية الأساسية المتلاحقة ـ سواء في نطاق التوجيه الفكري أو الاجتماعي أو غيره، مما يمكن أن يعتبر نواة حقيقية لثورتنا التطورية التي نجتازها الآن، وهناك غير هذا وذاك من المؤثرات المختلفة التي حدث كثيرا أن كان لها سهم فعال في إيقاظ بوادر التحول العام في وضعنا الاجتماعي الحديث ـ وإن كان من غير السهل ـ حقا ـ تحديد نسبة الفاعلية في عموم هذه المؤثرات، وقياس درجات أهميتها المتفاوتة في هذا المجال وذلك بصورة دقيقة ومضبوطة جدا.

وعلى أي فإننا نوجد الآن بالفعل، في خضم تجربتنا الجوهرية الحيوية: تجربتنا التطورية الاستقلالية التي نحياها اليوم جميعا، والتي هي ـ بالبداهة ـ على مستوى عال من التشعب والتعقيد في مختلف الميادين، والتجربة الاستقلالية هذه ـ تمتد ـ طبعا ـ على آفاق عديدة ومترامية، والصبغة التي تكتسيها بصورة واسعة ـ لا يمكن أن تقارن ـ مطلقا ـ مع جملة التجارب والمحاولات التطورية القديمة الواقعة قبل سنة 1955 تلك المحاولات التي كانت تبلور واقع طموحنا، ومدى إحساسنا بقيمة الإيجابية الهادفة، وعمق نزوعاتنا إلى التكيف والتلاؤم، ولكنها ـ مع ذلك ـ لم تكن تحملنا من المسؤولية التاريخية والعلمية ما نتحمله الآن، ولم تكن تتغلغل أساسيا في تحديد مواقفنا الحاسمة بمثل ما تحدثه في الوقت

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٦٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٦٥٨