الأشياء. فالإدراك كما يثبته برجون (*) ليس شعورا، ولكنه بصبح شعورا بواسطة الذاكرة. والإدراك الواعي هو شكل معين من الإدراك العام. يجد الوعي نفسه أمام حضورين: الماضي الذي هو حاضر في الذاكرة، ولكنه غير متحقق، والحاضر كما هو في الواقع (*). والإدراك عالم يتلاقى فيه هذان الحضوران: فالماضي يعتبر نوعا من الوجود، إنه المادة التي تنسج منها الذاكرة.
إن الطفل لا يتجاوز، في البداية، الحياة المعنوية لأسرته، إن حياة الأسرة، وعواطف البيئة، وأفكار تستولي على الطفل، وتخضعه للكائنات والأشياء التي تحيط به وتقاومه، فيصبح تائها خارج نفسه، بين كل الأشياء التي تملأ هذا الوسط. فتجاربه النفسانية تتطور مع تجاربه المجتمعية، في آن واحد. فكلا النوعين، من هذه التجارب، يشكل مجرى حياته.
إن وعي الأنا يتقوى مع الزمن، بقدر ما يتسع ميدان اتصالاته بالواقع الخارجي، وعلى ذلك يصبح «أنا» ثابتا، يندمج في صراع الحياة، يقتحم تيارتها العنيفة. «فالأنا» لا يظهر في اتصال متين مع «أنا الآخرين» فقط ولكن كذلك قبلهم، إذ يدرك أن له حياة نفسانية خاصة. ومهما يكن من أمر، فنحن لا نستطيع أن نتحدث عن أفكار «نا» وعواطف «نا» وميول «نا» إلا بعد أن نكون قد موضعنا التجارب النفسانية التي لقنها لنا وسطنا. وعلى ذلك، فالشخصية كما يؤكد السيد (لاغاش) (*) تنتظم خلال السنوات الخمس الأولى من الحياة، داخل علاقات الطفل المتبادلة وأسرته. إن تبعية الطفل، هي نتيجة حتمية، لعدم نضجه البيولوجي. فارتباط الرضيع بأنه ارتباط طفيلي (*) يأتي كنتيجة للاتحاد الجماعي. فنحن، في البداية، منشقون على أنفسنا، مشتتون، ضائعون في الآخرين، وفي التقاليد والعرف، وعادات البيئة التي نعيد خلقها، في مجموع أعمالنا في الحياة، قبل أن نجعل منها ميول «نا» الخاصة، وسلوك «نا» التي نتوهم أنها مستقلة ...
إن الإدراك يكسبنا تجارب، بفضلها نكتشف أن ذاتنا موضوع إدراك الآخرين، في عالم من الكائنات والأشياء، أي من المدركات. ثم إن إدراكنا لوجودنا الذاتي، عن طريق مقاومة الأشياء لإرادتنا (نظرية من دوبيران) لا يحصل إلا في الصراع، بين نشاطنا العضوي والعالم الخارجي المقاوم له.
نحن من عناصر هذا العالم، كما هو شأن الأشياء التي ندركها (نظرية وايتهيد Whitehead) فالإدراك كشف عن معطيات موضوعية. فإذا كان، في بعض الأوقات، مصدرا الأوهام، فإن هذه الأوهام، لا تكون مستقلة، بصورة مطلقة، عن كل موضوعية. فلا فراغ بيننا وبين الحقيقة الواقعية، إذ الإشارة إلى كائن، جعله في مجموعة من الارتباطات، أو بعبارة أصح، في ارتباطات متبادلة، توجد خارجة عنه، ولكنها، رغم ذلك، تكون شعورا الـ «لأنا» بذاته، ووعي الـ «هو» بالنسبة للآخرين. كل كائن ذرة في الإعصار الكوني، أنه وثيق الصلة بالأشياء والأحياء، فليس بجوهر (مونادة) منغلق على نفسه. أن كل موضوع يكون هو ذاته، وفي نفس الوقت، يكون هو الوسط الذي يحيط به: فالنور يتغير لونه، تبعا للحواجز، ويتصرف على أشكال متباينة، تبعا لمجراه. وهذا ما يحصل للـ «أنا» كذلك، إذ يخضع لما «نحن» من كثافة وصفات خاصة، هذا ** «نحن» الذي يحيط بالأنا من كل جوانبه، حيث يتراءى في مرآته، ويعكس صوره. فكل كائن حي محدد، ككل الأشياء، في أفق معين، أي في نطاق من الفضاء، حيث مجموع أجزائه تتكاثف، طبقا لبنية خاصة تفرضها وحدة المجموع، حتى أنه، بدون هذه الوحدة، لا يمكن حصول أي إدراك. فهناك إذن شبه حتمية، لا تسير طبقا للتوالي، ولكن حسب المعية الزمنية (التآني). إنها حتمية يفرضها المحيط فلا يوجد، في أي مكان، كائن منفصل عما في العالم. فكما يؤكده أصحاب «علم الظاهرات»، إن العالم «هنا»، قبل كل تأمل أو تحليل، باعتباره حضورا لا سبيل إلى نكرانه: «إنها عملية اصطناعية، تلك التي تحاول أن تجعل من العالم شيئا صادرا عن سلسلة من
*) Matière et mémoire, p. 29 - 30.
* ) المصدر نفسه، ص، 153
*) Daniel Lagache, Définition et aspects de la psuchanalyse, in Bull, du groupe de psychologie, p.11, ,mai 1950.
* ) يعني ارتباطا يستغله الرضيع لفائدته.