تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالنسبة لأي شعور، إلا عن طريق التجربة الفردية التي تقوم بها ذات لها حياة باطنية. ولكن هناك حادثا ليس أقل واقعية، وذلك أن منشأ الوعي الشخصي هو تدخل ذوات خارجية عنه: فالأنا هو هبة من الآخرين. إن الطفل يبدأ بمرحلة اللاتجربة، ونسيان الذات. فالآخرون هم الذين يتذكرون ولادته وبدايته في الوجود، وهي مرحلة لم يصل فيها، بعد، للاستقلال الذاتي. إن ماضي الطفل هو (من وجهة نظر الوعي) غريب عنه. فالآخرون (من أسرة ومرضع) هم الذين يحدثونه عن ماضيه، ويعلمونه إياه (ولا نقول يذكرونه به).

إن «الأنا» عند الطفل، في الوقت الذي يأخذ في التعرف على ماضيه، يشعر أنه أحدث عهدا مما هو في الواقع: إنه يحمل معه ماضيا لا يخامره شعور بسابق ممارسته له، إنه يجهله جهلا مطلقا. فالآخرون هم الذين يموضعون هذا الماضي في الأحاديث التي يروونها له، كما لو أنهم يريدون أن يشعروه بأنه أكبر سنا مما يظن، وأن حياته ليست حياة جديدة، وأن تجاربه ليست حديثة العهد إلا في الظاهر: فهو أكبر مما عليه ذاته الآن.

إن تمثل الكائن لذاته، متأخر دائما عن الفكرة التي يكونها الآخرون عنه. أليس الآخرون هم الذين يشخصونه قبل أن يدرك نفسه، بصفته الكائن كما هو في الواقع؟.

ولذلك، فنحن لا نستطيع تعريف الكائن البشري، باعتباره «ظهورا» فقط، بل باعتباره «ظهورا» للآخرين. كما أنه ليس مجرد حضور في وسعه الاستغناء عن الارتباط بأشياء أخرى. فكل حضور لا يكون، أبدا، إلا في موضع، «في ـ هنا» ( Là ) وعلى هذا، فالموضع، أي الـ «هنا»، لا يكون، حتما، إلا في مكان وزمن.

ومهما يكن تعريف الكائن، بالنسبة للآخرين كشيء ظاهر لهم، أو بالنسبة إلى الـ «هنا»، كمحتوى لإطار ضروري للوجود، فهو دائما الكائن في ارتباطات. إنه لا يحمل في ذاته معناه الخاص، ولكن هذا المعنى ينصب عليه من الخارج. إنه الكائن ذو العلاقات، لا الكائن الذي يجب أن يوضع في علاقات. وماذا نستطيع أن نقوله عن كائن منقطع عن العلاقات؟ إنه، هو نفسه، لا يدرك ذاته، عن طريق رؤية الوعي إلا بعد أن تكون حاسة النظر قد انفتحت على الوسط الذي يوصله بالآخرين، في عصر معين، في تاريخ. إن الكائن يغطس في هالة ثقافية: فكل «أنا» هو تاريخ وبيئة. فلا يستطيع أن يقول شيئا، لنفسه عن نفسه، إلا بواسطة الإشارات، والمعاني، والقيم التي يجدها في وسطه، لأن الكائن هو ظاهرة كينونته، وزيادة. ولولا هذه الزيادة، ما دخل الكائن في الوجود البشري، لأن الوجود لا يحصل إلا بالتعالي، أي بنفي الذات عن طريق العلاقات التي تشخصن الكائن. إنه يتفوق على نفسه بخضوعه المستمر للعلاقات وما يقوم به ليتحول إلى شخص. فلا يكتسب نصيبه، في عالم الموجودات، إلا بهذه الشروط، بحيث لا يعلن عن ذاته إلا بإعلانه «حضوره ـ هنا» للآخرين.

يعي الكائن ذاته بواسطة الضجر والغثيان (سارتر)، أو بطريقة مباشرة، حدسية، أي بصفته ديمومة صرفة (برجسون) أو عن طريق التجربة الخارجية، خلال مرحلة المرآة أو بعدها، (*)، مما يفترض أن الشيء المعروف يرد محتواه إلى المعرفة كما ترد المعرفة إلى الكائن العارف، باعتباره كائنا موجودا، لا باعتباره كائنا معروفا، أي إلى الوعي. إذن، إننا لا ندرك كائنا حيا عارفا، وفي الوقت نفس، غير واع لذاته. وبما أن شعوري ـ بذاتي ليس سابقا على الكائن الذي هو «أنا» فإن الآخرين يدركونني، ويعترفون بي، قبل أن أتعرف على ذاتي بوعيي.

الوعي هو وعي عالم أشياء، وأشخاص، أي الأفق الذي يبدو فيه لذاته، كأنه على شاشة بيضاء نبرز عن هذا العالم. يجتاز الطفل، بادئ الأمر، مرحلة الإدراك التلفيقي أنه يبدأ بإدراك الكل قبل إدراك التفاصيل. فهو، مثلا، لا يميز بين الألوان، بكيفية واضحة، خلال الأشهر التسعة الأولى. إنه لا يصل، إلا تدريجيا وبعد أمد، إلى التمييز بين الألوان وبين

*) يعتقد ( Janet) جاني أن الطفل بين شهره الخامس عشر والرابع والعشرين لا يتعرف على نفسه في المرآة: أنه يعتقد أن وراءها طفلا آخر.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٦٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٦٤٩