التركيبات التي توصل ما بين الإحساسات، ثم تربط الجوانب المختلفة للموضوع، في حين أن كل ذلك، نتائج للتحليل، لا يمكن أن يتحقق قبله أبدا» (*).
يثبت علم تكوين الأجنة، بصورة مطردة، أن هناك تضامنا متينا بين نمو الفعاليات العقلية، العاطفية والمجتمعية للكائن البشري، وبين الأوضاع الجغرافية، أي الشروط الموضوعية للنمو العام لهذا الكائن، ونمو أجهزته العضوية. فكلما ازداد اتصال الكون بالكائن البشري، زاد اندماج هذا الكائن في الكون، بطريقة معقدة. أن (هيد يجر) يجعل من فكرة «الكائن ـ في ـ العالم» ظاهرة تأسيسية للحقيقة البشرية. ولكن هذه العبارة «الكائن ـ في العالم»، لها خاصة: أن لفظة «في» لا تقصد المعنى العادي «في» وأن العالم، في عبارة هيديجر، لا يعني «العالم»، أنها تدل، كما يلاحظ السيد الكيي، على حقيقة وجودية، فهي إيقاف لمعرفتنا، أمام ما لا نستطيع أن ننفذ إليه أو نحوله، أكثر مما هي كسب لمعرفتنا» (*).
وفي وسعنا أن نضيف، إلى ما قاله السيد الكيي، بأن شعور الأنا ـ بذاته يتكون، قبل كل شيء من الإدراك. وعلى ذلك، فالكائن «الهيد يجري» يتحول إلى ذات «ملقاة»، في عالم يسحقها بثقله. لكن الطفل لا «يملك» كينونته البشرية مجانا، أنه يتوصل إلى وعي «أنا» بجهود بفرق بها ذا عن ذاك، وكما يفرق بها الـ «أنت» عن الـ «هو» والـ «هؤلاء». إذن أفي وسعنا القول، مع السيدميشوت، (*) بأن الإدراك شيء أكثر من الإحساس. إن علينا أن ندرس الإدراك، بالنسبة للنشاط، لأن الإدراك هو نفسه نشاط وتكيف فهو لا يقتصر على خصائص فضائية وحركية حسية، أنه يشتمل على علاقات «وظيفية» تشكل نسيج مجال الإدراك. اننا نتعلم ماهية الأشياء، بعد ما نتعرف على ما تفعله هذه الأشياء. هو أساس «كينونتها» لذا كان علم النفس الصوري، على حق، عندما أبرز ما للأحداث الشاملة من دينامية مباشرة.
فلا حقيقة لمدرك محض، منعزل. ليس هناك إلا حضور ـ مع (أي حضور مشترك) يكتسب منه كل واحد مزيدا من الوضوح بالانتباه الذي يوجه إليه، أثناء عملية الإدراك. هناك مجموعات، هي في الواقع أسس تنفصل عنها الأجزاء وتبرز تبعا لضرورات تدعو هذا الجزء أو ذاك في حين أن كل جزء، من المجموع، يفترض وجود الكل. ولذلك لا يسعنا، خلافا لما يزعمه المثاليون، التوصل إلى معرفة الآخرين، ابتداء من التجربة. ذلك لأن المعرفة التجريبية للذات، هي المعطى الدائم لمعرفة تجريبية للآخرين (والعكس بالعكس) فإن كل تجربة للآخرين، هي تجربة مباشرة للذات. ان حضور الآخرين يحدث في «الأنا» ما يحدثه المركز الجاذب (ملجأ، أو قوة دفع أو ازعاج) إنه حضور يعبر عن نفسه بأصداء داخلية، وبنداءات موجهة إلى «الأنا»، تدعوه إلى اليقظة والنشاط. أما العالم الذي يملؤه الأنا والنحن والآخرون، بالقدر الذي تملؤه الأشياء، فليس موضوعا أملك قانونه التأسيسي، «إنه الوسط الطبيعي، ومجال أفكاري كلها، وكل مدركاتي الظاهرة ( ... ). إن الإنسان في العالم، لا يعرف نفسه إلا في العالم» (*). لا يدرك شيء ما، إلا وسط أشياء أخرى، فهو دائما جزء من مجال (*).
ليس الوعي منغلقا على نفسه. لقد قيل، بحق، أن «الأنا» هو أبعد شيء عن الأنا. ففرويد يرى، أن الآخرين موجودون في أعماقنا، دون أن نشعر بهذا الوجود المرتبط بحياتنا الجنسية. وحينما أنفذ إلى أعمق أعماق ما أسميه «ذاتي»، كما يقول دافيد هيوم، «فدائما أقع على إدراك ما» (*). أن فكرة تنتشي باكتفائها بذاتها، وتتمتع بالوحدة، تقضي على نفسها بالتفتت. والعقل، كما يؤكد مونيي «لا يتعرف، ولا يمارس وظيفته في العزلة، شأنه شأن كل نشاط شخصي آخر. فإذا انطوى على نفسه، إلى أبعد حد، لا يلبث حتى يتجه هذيا في عالم مغلق، عالم التفكير الإجتراري» (*).
الرباط: محمد عزيز الحبابي
*) Merleau - Panty, Phénoménologie, p.IV
* ) F.Alquié. Revue Internationale, n° 3, mars 1946.
* ) Albert Miehotte, Perception de la comtabilité, Louvain.
* ) Merleau Ponty, Phénoménologie, p. V.
* ) إن مفهوم المجال هام جدا، ولا سيما في السيكولوجيا الصورية (أنظر، مثلا، دراسات Koffka)
* ) D. Hume, Traité de la nature humaie, p. 330 (trad Renouvier, Paris, 1878).
*)Mounier, Traité du caractère, p. 676.