تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحكمة الصانع، وقدرة المصور، فلا يصح أن يمر عليها جميعها مر الغافل المغمور، الذي لا يشغل بها فكره، ويستنتج منها ما يزيده إيمانا بالله، وإجلالا له، وذلا بين يديه، وتسليما لأوامره، وانقيادا لتوجيهاته. قال تعالى: «أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها؟» وقال: «فاعتبروا يا أولي الأبصار» وقال: «إنما يتذكروا أولوا الألباب».

والعقل كالجسد، فإذا كان الأخير يتضرر بالمطاعم والمشارب الفاسدة، فكذلك العقل يتضرر بالآراء الزائفة والأفكار الإلحادية الطائشة، ويسوء أيضا بالاتجاهات الأدبية الماجنة، التي تجني عليه أكثر مما تجني له. ولذلك كان على الفرد أن يختار لعقله وفكره ومشاعره أحسن الغذاء من الكتب والمجلات والنشرات، والأحاديث الإذاعية والمحاضرات وكان مسؤولا عن أي انحراف يقع منه، أو شذوذ يصيبه، وعليه الرجوع به إلى الطريق المستقيم، والجادة التي سار عليها المرسلون، والذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين. ولذلك فقد شجع الإسلام الفرد المسلم على طلب العلم وحضه عليه فقال صلى الله عليه وسلم «طلب العلم فريضة على كل مسلم». وقال تعالى: «هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟» وقال وقال أيضا: «وقل رب زدني علما» وقال صلى الله عليه وسلم: «من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما معا فعليه بالعلم». وقال صلى الله عليه وسلم مكرما أهل العلم: «أكرموا العلماء فإنهم ورثة الأنبياء» وقال: «إن مثل العلماء كمثل النجوم يهتدي بها في ظلمات البر والبحر فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة».

والفرد إلى جانب ما سبق، مسؤول عن أخلاقه وعاداته وآدابه. ولذلك فهو مطالب بتخير ما يتحلى به من الآداب، ودرس ما يختاره من الأخلاق والعادات لأنها في الحقيقة صورته الصادقة التي تعرف به الناس، وتكشف عن جوهره وذاته. فعلى الفرد أن يجمل نفسه بالحياء والصبر والشجاعة، والكرم والنجدة، وما شابه ذلك من الفضائل، وأن يباعد بينها وبين المجون والجبن، والحمق والشح وغيرها، وإن يبعث في نفسه النشاط والحركة وأن لا يركن إلى الكسل والخمول .. وعلى كل حال عليه أن يحاول دائما كي يكون من نفسه الشخص المثالي في آدابه وأخلاقه وعاداته، بحيث يكون قدوة صالحة للناس، وعنصرا نافعا لمن حوله منهم.

. *.

إلى هذا الحد تكون قد تعرفت أيها الأخ الكريم على بعض مسؤولياتك الشخصية، وتبينت ما يطلب منك نحو ذاتك لتدنو قدر الطاقة من الكمال، وتبعد ما أمكن عن النقص. وبقي أن تتعرف على مسؤوليتك الاجتماعية وسأشعبها هنا إلى ثلاث مسؤوليات: مسؤولية تجاه أسرتك، مسؤولية تجاه مجتمعك، ومسؤولية تجاه دولتك.

مسؤولية الفرد نحو أسرته: من طبيعة الحياة أن الفرد يكون دائما وأبدا عضوا في أسرة، تضم على الأغلب عددا من الأفراد، تختلف أوصافهم ومقاماتهم. منهم الأب والأم والزوج والزوجة والأولاد وما يتفرع عنهم.

وتختلف مسؤولية الفرد تجاه أسرته باختلاف مهمته فيها. فإذا كان عازبا يرغب في الزواج، كان عليه أن يحسن اختيار عشيرته، بحيث تكون من ذوات العقل والدين والتربية الفاضلة، لأنه إذا استكملت المرأة هذه الشروط، انقلب المنزل الذي تشرف عليه فردوسا للرجل، والمنبت الخصب لذريته. وما أروع قول حافظ إبراهيم في هذا الموضوع:

الأم أستاذ الأساتذة الأولى

شغلت مئاثرهم مدى الآفاق

الأم روض إن تعهده الحيا

بالري أورق أيما ايراق

فضلا عن المرأة كانت بذلك لزوجها ملاذا لقلبه، وملجأ له من عواصف الحياة، وبلسما لجراحه. ولذلك فقد أمتن بعض حكماء العرب على أولاده بمثل هذا الأمر فقال:

وأول إحساني إليكم تخيري

لماجدة الأعراق باد عفافها

وإذا كان زوجا أو أبا، كان عليه أن يشمر عن ساعد الجد ويندفع للعمل والكسب، واستثمار أتعابه وكفاءاته، وجمع محاصيلها لوضعها تحت

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٦٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٦٣٤