تصرف أفراد أسرته، لتبذل في مصالحهم، وتصرف لقضاء حاجاتهم، فيهنأوا ويسعدوا، ويكون بعد ذلك قدوة صالحة ومثالا يحتذى في قوله ومقاله وسلوكه فيحسن معاملة أهله وعياله، ويرفق بهم، ويتجنب الغلظة عليهم، ويقدم لهم دائما ما يسرهم. قال صلى الله عليه وسلم: «خير الرجال من أمتي الذين لا يتطاولون على أهليهم، ويحسنون إليهم، ولا يظلمونهم»، وقال أيضا: «مشيك إلى المسجد، وانصرافك إلى أهلك في الأجر سواء».
وإذا كانت زوجة فعليها أن تتفرغ لما خلقت له أصالة: من إدارة البيت، وإحسان ترتيبه وفرشه، وإتقان مظهره وتنظيفه، واختيار الأطعمة النافعة والشهية للأسرة، وتهيئة كافة الأجواء التي تدخل على أفرادها السرور، والقيام بواجباتها نحو زوجها وأولادها على الشكل اللائق، ونحو زوجها بالذات من طاعته فيما لا معصية فيه، واستشارته فيما تريد إجراءه من الأعمال والترتيبات المنزلية الهامة، وإن تختار في محادثته أرق الألفاظ وأجمل التعبيرات، وأن لا تسمح للأمور التافهة أن تدفعها أحيانا لتعكير صفو حياة الأسرة وتكدير رائق عيشها، ثم نحو أولادها بأن تكون حدوبة عليهم، رحيمة بهم، شديدة الغيرة على مصالحهم، حازمة في الإشراف عليهم وتوجيههم ..
هذا فيما يتعلق بمسؤولية كل من الزوجين تجاه الآخر وتجاه الأسرة بوجه عام. أما مسؤوليتهما تجاه أولادهما من الجهة التربوية والتعليمية، وهما وجهتان هامتان في حياة الأفراد وعلى الخصوص في حياة الناشئة، فقد حتم الإسلام على الأبوين تزويد الأولاد بخير العلم وأفضل التربية. قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة». وقال صلى الله عليه وسلم: «أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم، فإن أولادكم هدية الله إليكم». وقال أيضا: حق الولد على الوالد أن يعلمه السباحة والرماية، وأن لا يرزقه إلا حلالا طيبا». ذلك لما كانت هذه الأمور هي أهم ما يلقى على عاتق الرجال. أما اليوم فقد تغيرت الظروف، وتبدلت معالم الحياة كما تبدلت العلوم واتسعت، لذلك فإن على الآباء والأمهات إعداد أولادهم إعدادا كاملا للحياة التي يقبلون عليها، وتزيدهم بكافة العلوم والثقافات والآداب التي يرون أن حياتهم مفتقرة إليها، إذا لم يكن فيها ما يتنافى مع الدين، أو يتضارب مع المصلحة العامة، ويرى الشارع أن عمل الوالدين في هذا الحقل عمل تعبدي ينتهي بهما إلى رضوان الله، ثم النعيم المقيم ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة .. »
وأما مسؤولية الأبناء نحو الآباء والأمهات، فهي متنوعة ولا تكاد تقل في شيء من ناحية الأهمية عن مسؤولية الآباء نحو أبنائهم .. فقد جعل الإسلام من أعظم الكبائر عقوق الوالدين، وجعل الإحسان إليهما واجبا على المرء في الدرجة الثانية بعد الإيمان بالله، وجعل رضاه تعالى من رضاهما، وسخطه من سخطهما، فضلا عن أنه نهى عن الإساءة إلى الأبوين ولو كانت أبسط الإساءات وأتفهها، فقال تعالى: «ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا .. »
مسؤولية الفرد نحو المجتمع: ولم يشأ الإسلام أن يجعل مسؤولية الفرد تجاه مجتمعه محصورة بمجتمعه المسلم، بل جعلها مسؤولية موسعة بحيث تتوجه نحو جميع أفراد المجتمع الواحد، من أية ملة أو فئة كانوا، لا فرق بين المسلم وغير المسلم.
ذلك لأن فلسفة الإسلام الاجتماعية تهدف إلى إقامة المجتمع السعيد، وتوفير أسباب الهناءة والطمأنينة لجميع الناس على السواء، فلا يصح من الناحية المنهجية أن يقال أن الإسلام يدعو إلى تحسين العلاقات بين المسلم والمسلم فقط، ويجعل المسلم مسؤولا عن مصلحة إخوانه في الدين فحسب.
ويؤيد هذا ما ذهب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعريف المسلم بقوله: «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده»، إذ جعل مسؤولية الفرد المسلم منعكسة على جميع أفراد المجتمع، قاطعا النظر عن عقائدهم وألوانهم واتجاهاتهم. على أنه يجب أن يكون حاضرا في الذهن، أن تحمل المسؤولية تجاه الآخرين من أبناء المجتمع كإحسان معاملتهم مثلا، ومنع الأذى عنهم، وبذل الخير لهم، ليس معناه الخنوع والذل والتنازل عن الحقوق المشروعة، لأن فيه إضاعة لغايات الشرائع وإفسادا للمجتمع نفسه.
والإسلام كدين اجتماعي من الطراز الأول، إذا كان قد فرض الفرائض من صلاة وزكاة، وصوم وحج، فإنما فرضها لتكون عاملا طيبا في تزكية النفس البشرية، وإحياء الضمير الإنساني، اللذين