«أنت على ثغرة من ثغرة الإسلام فلا يؤتين من قبلك». وقال للجماعة: «إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم»، «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم». وضرب مثلا رائعا لوصاية الجماعة على الفرد ومسؤوليتها إزاء جناياته وأخطائه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن قوما ركبوا سفينة فاقتسموا فصار لكل منهم موضع، فنقر رجل منهم موضعه بفاس فقالوا له: «ما تصنع؟» قال: «هو مكاني أصنع فيه ما أشاء. فإن أخذوا على يده نجا ونجوا معه وإن تركوه هلك وهلكوا». كما ضرب مثلا رائعا عن مسؤولية الفرد تجاه الجماعة يوم قام أبو بكر في خطبة من خطبه وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية:
" يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"، وإنكم تضعونها على غير موضعها، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ٍإن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقابه».
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». فهذا الحديث وإن لم يكن في ظاهر عبارته قد نص على وجود المسؤولية على الفرد تجاه المجموع البشري الذي يكتنفه بالشكل الصريح المباشر، غير أنه قد قرر مبدأ المسؤولية على الفرد لقاء ما يحوطه من الناس، كثيرين كانوا أو قليلين، بشكل يتكافأ مع ظرفه، ومهمته الموكولة إليه، وكفاءاته التي يمتاز بها.
وهذه المسؤولية التي قررها الإسلام على الفرد تكون تارة مسؤولية شخصية يرجع أثرها عليه لا على غيره من أبناء نوعه، كالسعي والعمل في كسب المال وطلب العلم، وطورا تكون مسؤولية اجتماعية يتصل أثرها بمن حوله من أبناء جنسه، وذلك كالتعاون وبذل المساعدة للآخرين المشاركين له في المجتمع.
فمسؤولية الفرد إذن تتشعب إلى شعبتين: مسؤولية تجاه نفسه وأخرى تجاه مجتمعه. ويمكن القول بأن مسؤولية الفرد نحو نفسه قد تتسع بحيث تصبح مسؤولية نحو مجتمعه، كما أن مسؤوليته نحو المجتمع قد تضيق بحيث تكون أيضا مسؤولية نحو شخصه بالذات. فطلب العلم وإن كان الفرد مسؤولا عنه لنفسه لما وراءه من مصلحة شخصية، إلا أنه أيضا مسؤول عنه تجاه مجتمعه لأن من مصلحة هذا المجتمع أن يكون الفرد فيه متعلما لا جاهلا.
والتعاون مع المجتمع وإن كان الفرد مسؤولا عنه اجتماعيا، إلا أنه أيضا مسؤول عنه لنفسه بالذات لما يترتب على تعاونه مع أبناء مجتمعه من حمل أبناء مجتمعه أيضا على التعاون معه.
مسؤولية الفرد الشخصية: إن الله تعالى قد كرم الإنسان ورفع قدره على جميع أنواع الخلق: «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا». وكان من مقتضى هذا التكريم إن وهبه العقل الذي جعله فيه مناطا للتكليف بالأوامر والنواهي والحدود. ولقد تحمل الإنسان مهمته وتقبل المسؤولية فقال تعالى في ذلك: «إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان .. » وكان من أوائل مظاهر المسؤولية الشخصية مسؤولية الفرد عن نفسه وبدنه. فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «نفسك مطيتك فأرفق بها». وفيه يوجب الإسلام على الفرد الرفق بنفسه بحيث لا يحملها ما لا تطيق، ويعالجها بالراحة والدواء إذا ما أصابها ضيق أو نزل بها مرض، وذلك ليتمكن من الوصول إلى أغراضه ومصالحه. وفي هذا المعنى ورد أيضا عنه صلى الله عليه وسلم «إن لبدنك عليك حقا». فعلى الفرد توفير الطعام لنفسه، والشراب والمسكن والملبس، وعليه أيضا أن لا ينهك بدنه بالعمل فوق الطاقة والسهر المضنى، وإن لا يزجه في مالك الضنك والهلاك، وأن يحافظ عليه بحيث يبقى قويا صحيحا، سليما من العيوب والآفات.
ولتأكيد هذا المعنى في نفس الفرد المسلم جاء قوله صلى الله عليه وسلم: «أحسنوا لباسكم وأصلحوا رحالكم، حتى تكونوا شامة في الناس». وكما أن الفرد مسؤول عن بدنه، مسؤول أيضا عن عقله وفكره. ولذلك وجب عليه أن لا يضيع نشاطهما ويبعثر جهودهما، ويجعلهما في غير ما ينفعه وينفع الناس أو يصلحه ويصلحهم. فهذا الكون قائم بين يديه، يدله اختلاف مظاهره ودقة صنعه، وما فيه من جمال وروعة وسعة، على عظمة الخالق،