دعوة الحق، س.6، ع3 /ديسمبر 1962 .................... ص 11
مسؤولية الفرد في الإسلام
للشيخ: حسن خالد
إن الإسلام دين شرعه الله واختاره ليكون دستورا للعالمين. يقول تعالى: «إن الدين عند الله الإسلام»، فهو لذلك دين مثالي في تنظيماته كافة، لن نجد له مثيلا في تناسق تشريعاته، وانسجام تعاليمه، وتساندها جميعا لخدمة الهدف العظيم الذي وضعت له. فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالندب إلى إكرام الضيف، والبشاشة في وجوه الإخوان، وإماطة الأذى عن الطريق، والأمر بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، هذه الأمور وغيرها تعاليم متساندة ـ على تفاوت مقاماتها عند الله ـ في خدمة الغاية الجليلة التي من أجلها بعث الله الرسل، وأنزل معهم الكتب.
والفرق بين الإسلام وبقية الملل والأديان، إنه دين جعل نصب عينيه أن يوجد الأمة الموحدة الجهات، الموثقة العرى، المتكافلة على الشر، المتكافلة للخير، ليتوصل من ذلك إلى تأمين أكبر قسط من السعادة والطمأنينة للبشرية.
ولذلك فإن الإسلام ينظر إلى اتباعه نظرة واحدة من حيث وجوب تحملهم المسؤولية، لخدمة الفكرة الإسلامية التي هي إيجاد المجتمع السليم من الآفات على اختلافها، وتأمين السعادة إلى أبعد قدر من مقدرات الإمكانية الإنسانية. ومن هذا المعين برز الحديث المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أصبح ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم».
وعلى ضوء تلك الفكرة وهذا الحديث، نستطيع أن نقول أن المسؤول عن المصلحة العامة في الإسلام ليس هو الزعيم كزعيم فقط، وليس هو المجتمع كمجموعة موحدة فحسب، وليس هم رؤساء المراكز الهامة في الدولة، كالولاة والقضاة، ومدراء الشرطة وقادة الجيوش وغيرهم، بل إن الفرد، كذات له كيانه وأثره في المجتمع، يصح أن يعتبر مسؤولا بالنسبة للمصلحة العامة، بل مسؤولا خطيرا وخطيرا جدا، بالنسبة لهذه المصلحة. إذ منه يتخرج الزعماء والقادة، والقضاة والولاة وغيرهم، بل منه يتكون المجتمع الذي هو في الحقيقة ليس إلا فردا مضافا إلى فرد ..
ولكن العجيب في أمر هذا الدين، دين الإسلام العظيم، أنه جعل عنايته التشريعية من الدقة والانسجام بمثل ما هو عليه وضع الفرد كفرد، وكعضو مندمج في جماعة. ولذلك كانت نظمه الاجتماعية سليمة من أي عيب، خالية من أي نقص، موسومة بالكمال.
فالفرد في نظر الإسلام هو المجتمع الإسلامي جزء من كل يكمله، ويكتمل به، ويعطيه ويأخذ منه، ويحميه ويحتمي به، ولا نستطيع مطلقا أن نجد في التشريع الإسلامي انفصالا بين مسؤولية الفرد نحو المجتمع، ومسؤولية المجتمع نحو الفرد، لأن هاتين المسؤوليتين هما أولى وسائل الإسلام في الإصلاح العام، وفي التكافل الاجتماعي الواسع النطاق. وقد أكد الإسلام معانيهما في نفس الفرد بوجه عام كما ثبتها في نفسية الجماعة وأرساها في ضميرها فقال للفرد: