أن تتنازع وتتصادم وتتكالب مختلف طبقات الناس في ما بينها لأغراضها ومصالحها الذاتية المادية، لأن الإنسان ما قطع حتى الآن من مراحل التاريخ إلا متخاصما ومتقاتلا بعض أفراده مع بعض وأن ليس عليه الآن إلا أن يستمر بقطع مراحل التاريخ بالنسبة للمستقبل هكذا، وأنه إذا كان هناك أساس للاتفاق والمصالحة بين مختلف أفراده فإنما هو اتحادهم على الأغراض الاقتصادية المحض، فكل من كانوا متحدين بينهم على هذا الأساس، فلا عليهم إذا اجتمعوا بصورة طائفة وقاتلوا سائر الناس المختلفين عنهم على هذا الأساس.
إننا لسنا نريد في هذا المقال الوجيز أن نشبع نظريات هيجل وماركس انتقادا، إنما الذي نريد بيانه هنا، هو أن هذه النظريات قد خطأت اليوم وجهة نظر أهل العلم كافة في الدين والأخلاق والحضارة والعمران من أساسها وأن الدين والأخلاق والحضارة والعمران من أساسها وأن الذين قد تأثروا منهم بفلسفة هيجل، قد ألقى في روعهم أمران:
1 ـ إن الحضارة بجملتها في كل عصر من عصور التاريخ وحدة وأن كل ما يوجد في عصر من العصور من الأخلاق والقوانين والدين والعلم والفلسفة والفن والعلائق الدولية، إنما هي في حقيقة الأمر مظاهر مختلفة للطبيعة الاجتماعية أو الروح الكلية لذلك الزمان.
2 ـ أن أي مدينة من مدنيات الإنسان عندما تدرك وتبلغ ذروة كمالها، فإن مجموعة جديدة الميول والأفكار والنظريات والتصورات تبرز إلى الوجود من داخل نفس تلك المدنية وتشرع في محاربة الأفكار والنظريات القديمة إلى أن تخرج إلى حيز الوجود مدنية جديدة يبقى فيها كل ما في المدينة القديمة من العناصر الصالحة وتحل مكان العناصر غير الصالحة عناصر ثمينة من الأفكار والميول والنظريات الجديدة، وهكذا فإن مختلف المدنيات التي ما زالت ولاتزال تظهر إلى الوجود تكون أصلح وأفضل من سابقاتها لأنها تحوز في نفسها كل ما في المدنيات السابقة من العناصر الصالحة، ومع هذا تضيف إلى هذه العناصر عناصر ثمينة أخرى من الأفكار والنظريات الجديدة.
من المظاهر أن أحدا إذا رسخت في ذهنه هاتان الفكرتان، فمن المحال أن يكون أو يبقى مؤمنا بتعليم قد مضى عليه غير واحد من القرون. ولابد على هذا أنك كلما ذكرت له إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم، قال «كل واحد من هؤلاء وليد زمانه وجوابا لدعوى المدنية السائد في ذلك الزمان، مما قد أصبح بعده جزء لمدنية مزيجة بعد أن جرى عليه ما جرى من فترة الصراع والأخذ والرد، وكم من جواب قدم لكم من دعوى بعده مازالت المدنية الإنسانية تجتاز بعده مراحل التقدم والرقي حتى بلغت الزمان الذي نعيش فيه، إننا نجل هؤلاء الأفراد ونعترف لهم بما يستحقون من الفضل والتقدير من حيث ما قاموا به لترقية المدنية الإنسانية وازدهارها في عهودهم، ولكن لا يصح البتة أن نرجع القهقري ونجابه دعوى المدنية الحاضرة بجواب قديم قد أكل عليه الدهر وشرب.
إن أتباع ماركس مشتركون مع أتباع هيجل في هاتين الفكرتين. ومع هذا فقد استولت على أذهانهم فكرة ثالثة هي أنهم لا يرون كل ما يوجد في عصر خاص من عصور التاريخ من الأفكار والتصورات الدينية والخلقية والقانونية إلا متولدا من النظام الاقتصادي السائد في ذلك العصر ويقولون أن هذه التصورات والمبادئ والقوانين ما كانت وضعت إلا لحماية وحفظ النظام الاقتصادي الرائج في ذلك الزمان. فالنتيجة المنطقية اللازمة لعقيدتهم هذه أنه كلما تبدل طريق لتهيئة وتوزيع أسباب المعيشة للإنسان، فلابد أن يتبدل مع هذا كل شيء من الدين والأخلاق والقانون، لأنها ما كانت تساير إلا النظام الاقتصادي القديم ولا تستطيع أن تساير روح النظام الجديد.
فهل لأحد أن يدعي أن من كان يعتقد بنظرية ماركس هذه، يستطيع أن يكون ـ في الوقت ذاته ـ مؤمنا بتعليم ديني أو شريعة أو نظام خلقي تكون مضت عليه عدة قرون من الزمان من الزمان؟.
وقد نشر أحد إخواننا الشيوعيين مقالا عنوانه أي شيء لا تجده في الشيوعية؟» حاول أن يثبت به أن لا تناقض هناك بين الشيوعية والإسلام. ولربما يكون هناك رجال آخرون من أمثاله يقولون بصحة هذه الفكرة، فإني أطلب منهم أن يدرسوا أولا تفسير ماركس المادي للتاريخ ونتائجه المنطقية ثم يتفكروا أي مجال يبقى لمن أعترف بصحة هذه الفكرة للقول بأنه مسلم؟ لا ريب أنه من حق كل شخص أن يختار ما يشاء من عقيدة، فهم إن كانوا يعتقدون بصحة