نظرية ماركس، فلهم أن يختاروها، ولكن من الواجب عليهم مع ذلك أن يكونوا على بينة من الأمر الواقع. إنهم إن كانوا يدعون اتباعهم للعقيدة ويقولون مع هذا أنهم معتقدون بضدها، فإن ذلك إن كان يدل على شيء فإنما يدل على ارتباك في أذهانهم، مما يدعو إلى الأسف ويبعث على الأسى.
لقد حاول كا من هيجل وماركس أن يدرك الحقيقة ولكنه فشل في إدراكها فشلا ذريعا. أن كل واحد منهما وجد جانبا من الحقيقة نحاول أن يثبته الحقيقة التامة، حتى كان من نتيجة ذلك أن وقع في خطل الرأي وترك غيره كذلك يتخبطون في مجاهل الخطأ خبط شعواء.
إذا كان هناك شيء صحيح في فلسفة هيجل للتاريخ، فإنما هو أن ارتقاء المدينة الإنسانية أثناء التاريخ ما زال يحصل بصورة الحرب بين الأضداد أولا ثم التصالح بينها بعده، إلا أن هيجل مزج هذه الفكرة الصحيحة بأفكار خاطئة كثيرة حتى أقام بناء نظرية لا تقوم أكثر أعمدتها إلا في الفضاء.
إن قول هيجل بأن الله روح العالم وأن الله إنما يجعل الإنسان أداة لاستكمال ذاته، وأن تاريخ ارتقاء المدنية الإنسانية إنما هو تاريخ ارتقاء الله نفسه إلى منتهى كماله، فما كل هذا إلا آراء سخيفة ليس في السماء ولا في الأرض ما يثبت صحتها ثبوتا يرتاح إليه القلب وتطمئن إليه النفس.
ثم أن قوله بأن الإنسان في مسرح التاريخ إنما هو ممثل لا شعور له ولا اختيار ولا إرادة وأن الله هو الذي يعرض الأفكار المتعارضة بوساطة الناس ويجعلهم يقتتلون بعضهم مع بعض ثم يعقد بينهم الصلح ويحدث فيهم صورا جديدة للفكر والخيال، فهذا أيضا قياس فأسد لا أساس له من الصحة ولا تؤيده حقيقة علمية.
فهذه هي أخطاء هيجل الأساسية قد جعلت فلسفته للتاريخ لغزا من الألغاز ثم أننا إذا نظرنا في نظريته للجدل التاريخي، وجدنا أن هذه النظرية وأن كانت فيها لمحة من الصدق والحقيقة، إلا أن عنصر القياس والتخمين فيها أكثر بكثير من عنصر الاستشهاد بوقائع التاريخ. أن هيجل ما حاد عن جادة الصواي إلى حد قوله بأن الحرب مازالت قائمة بين الأفكار المتضادة أثناء التاريخ وأن الصلح ما زال يحصل بينها ـ كذلك ـ بصورة مزيج، إلا أنه لم يكرس جهده ليغور في المسألة ويعرف ما هي نوعية الأضداد التي تحصل بينها الحرب في الحقيقة، ولماذا ينعقد الصلح بينها آخر الأمر، ولماذا أن المزيج الذي يأتي إلى الوجود بهذا الصلح، يتولد في حضنه عدوه بعد ذلك، فبدلا من أن يدرس هيجل هذه العملية الجدلية دراسة وافية تحليلية اكتفى بأن ألقى عليها نظرة عابرة كما يلقي الطائر نظره على مدينة أثناء طيرانه فوقها.
أما ماركس، فلم يكتب له مثل ذلك التعمق في النظر والتحقيق، الذي كتب لهيجل. أنه لا يحاول أصلا أن يعرف ويفهم فطرة الإنسان وبنيته تركيبه فهو ـ لذلك ـ إنما ينظر فيه إلى الحيوان الخارجي الذي تمسه الحاجة إلى أسباب المعيشة، ولا ينظر أبدا إلى الإنسان الداخلي الذي يعيش في داخل غلاف هذا الحيوان الخارجي، والذي كان الحيوان الخارجي له آلة من آلات العمل، كما أن مقتضيات فطرته مختلفة عن مقتضيات فطرة الحيوان الخارجي. أن قصور نظر ماركس وقلة فهمه لحقيقة الإنسان خطأت عليه كل نظرياته العمرانية فظن أن الإنسان الداخلي إنما هو تابع أو خادم بل عبد للحيوان الخارجي، وإن كل ما أوتي من قوى العقل والاستدلال والفكر والبحث والمشاهدة والوجدان والتحقيق والاختراع، إنما هو لخدمة الحيوان الخارجي وتحقيق شهواته ومطالبه وأغراضه ولهذا فإن غاية ما قد قام به الإنسان الداخلي حتى الآن أو سيقوم به أو يستطيع أن يقوم به في المستقبل، إنما هو ـ على حسب قول ماركس ـ أن يضع مبادئ للأخلاق والقانون ويخترع تصورات للدين ويعين لنفسه طريقا للحياة وفقا لأهواء الحيوان الخارجي!! .. ما أتعس هذه الفكرة لحقيقة الإنسان! وما أبشع هذا التصور للمدينة الإنسانية!.
إننا لا نشك أن أحاسيس الحيوان الخارجي ومطالبه كثيرا ما تؤثر في قوة إرادة الإنسان الداخلي وأن هنااك كثيرا من الناس تغلب عليهم حيوانيتهم، ولكن ما أخطأ فكرة ماركس القائلة بأن الإنسان الداخلي لا يؤثر في الحيوان الخارجي تأثيرا فعالا، وما أخطأ دراسته لتاريخ الحضارة الإنسانية حتى أنه لا يراها مبنية إلا على أيدي أولئك الذين كانت إنسانيتهم تابعة لحيوانيتهم، مع أنه لو كان نظر بعين حرة، لوجد أن كل ما هو ثمين وصالح وجدير بالتقدير والاحترام من عناصر المدنية الإنسانية، إنما هو منحة من أولئك