الجدلية أو الصراع للبقاء إلا بمثابة قطعة من قطع البيدق في لعبة الشطرنج، فالفكرة المطلقة في تدفق النهر الجارف هذا لا تزال بنفسها تتقدم في مسير التاريخ في أبهة كأبهة الملوك دون منازع أو مصادم، تعرض الدعوى أولا، ثم تعرض جوابها، ثم تعقد بينهما الصلح بالتركيب بينهما. ومن أعاجيب العثل الكلي أو الروح الكلية أنه يغر الأفراد ويضللهم بأنهم في هذه المسرحية يلعبون دورا هاما، دور الأبطال البارزين، مع أن العقل الكلي هو الذي يستعملهم لذاته في حقيقة الأمر (*)
أما كارل ماركس فقد استقى من نظرية هيجل الفلسفية هذه فكرة العملية الجدلية وفصل عنهما تصور الروح أو الفكرة، الأمر الذي كان جوهرا لفلسفة هيجل، وجعل الأسباب المادية أو المحركات الاقتصادية وحدها هي الأساس لسير التاريخ وتطوره وارتقائه. قال إن الأمر الذي له الأهمية الحقيقية في حياة الإنسان إنما هو الاقتصاد وأن النظام الاقتصادي في كل عهد من عهود التاريخ، هو الذي يرسم الصورة الكاملة للمدينة الإنسانية في ذلك العهد. فالقانون الأخلاقي والدين والفلسفة والعلوم والفنون وبالجملة سائر الأفكار والتصورات الإنسانية لا تتشكل إلا بتأثير هذا النظام الاقتصادي
أما الوجه الذي تظهر عليه العملية الجدلية أثناء التاريخ عند ماركس، فهو أن أي طبقة من الناس عندما تضع يدها على إعداد أسباب الحياة وتهيئتها وتوزيعها وتجعل سائر الطبقات الإنسانية محتاجة إليها متسولة أمامها تحت نظام خاص للاقتصاد، يبدأ القلق والاضطراب يرفع رأسه في الطبقات المستضعفة ويجعلها أخيرا تقوم مطالبة بنظام جديد لتوزيع الثروة الاقتصادية وأسباب الحياة وحقوق الملكية يكون أكثر ملاءمة لمصالحها، مما هو ـ بكلمات أخرى ـ جواب لدعوى النظام القديم أو عدوه إنما ينشأ ويكبر في حضنه هو، فهناك يبدأ الصراع وينشب النزاع بينهما، والمجموعة الكاملة لقوانين النظام الحاضر ودينه وأخلاقه ونظرياته لاتؤيد في هذا الصراع إلا النظام القائم في هذا العهد من ذوي قبل. أما عن الجهة الأخرى، فإن القوى الناشئة الجديدة، التي إنما تقوم بمطالبتها في حقيقة الأمر لتغيير النظام الاقتصادي وأسسه تجد نفسه مضطرة إلى أن ترد هذه المجموعة القديمة للتصورات القانونية والدينية والاجتماعية وترتب بدلا منها مجموعة أخرى تكون على وفاق مع نظامها الاقتصادي المنشود. فهذا الصراع الطبقي يبقى قائما على قدم وساق إلى أن يتبدل النظام الاقتصادي آخر الأمر، وإذا حدث هذا، فلا بد للتصورات القانونية والدينية والأخلاقية والفلسفية القديمة أن تخلي مكانها للتصورات الجديدة.
هذا هو تفسير ماركس المادي للتاريخ وهو يعرف عامة بالمادية التاريخية أو المادية الجدلية، فمسألة تهيئة أسباب المعيشة وتوزيعها هي المحور لارتقاء المدينة الإنسانية وما يطرأ على التاريخ الإنساني من تغيرات وتقلبات. وفي نظر ماركس أن هذا المحور هو الذي تدور حوله الحياة الإنسانية. وأما القوة المحركة لهذا المحور إلا قوة الصراع الطبقي وليست هناك ـ عنده ـ مبادئ أبدية للدين والأخلاق والحضارة الإنسانية تكون حقا وصدقا في حد ذاتها، وعلى العكس من هذا يقول ماركس بأن الإنسان يختار أولا طريقا تقتضيه مصالحه الذاتية وتشتهيه أغراضه الاقتصادية ثم يختلق دينا وفلسفة للأخلاق ونظاما للأفكار والنظريات ليحكم بها هذا الطريق ويسيره بنجاح ويثبت للناس حقانيته، ومما يطابق الفطرة والعقل معا ـ في نظر ماركس ـ أن طبقة من الناس إذا وجدت مصلحتها الاقتصادية في طريق آخر لها أن ترد نظامها الاقتصادي السابق وترد معه ما يقوم عليه من التصورات الدينية والأخلاقية والقانونية والمدنية وتختلق بدلا منها عقائد ومبادئ جديدة أخرى تلتئم مع مصلحتها الاقتصادية، وفوق هذا يقول ماركس أن الصراع للأغراض الذاتية المادية هو من عين ما تقتضيه الفطرة وأن الطريق الوحيد لارتقاء التاريخ الإنساني
*) إن ذات الله التي يعبر عنها هيجل بالعقل الكلي أو الروح الكلية أو الروح المطلقة أو الفكرة المطلقة وما إليها من الكلمات الأخرى في حقيقة الأمر، فعنده أن الروح الكلية أي الذات الإلهية هي التي ترتقي بصورة ارتقاء المدنية أو الحضارة الإنسانية وأن الله هو الذي يظهر نفسه بنفسه وراء هذا الحجاب ويكدح ويكد لترقية ذاته ويتقدم في مسير التاريخ. وأما الإنسان، المسكين إنما يستعمل كمظهر خارجي أو أداة ظاهرة للتنفيذ.