أمسكت يداي بحجرين ووقفت على حجر واحد .. وبدأت أبحث بإحدى رجلي عن حجر آخر فلم أجده .. كان الحائط بعد ذلك ترابا أملس .. وبدأت أبحث برجلي الأخرى عن طريق العودة فلم أجد إلا ترابا أملس أيضا.
ونظرت إلى تحت، وأنا أبحث عن أي حجر ناتئ أضع عليه رجلي فاتعدت واقشعر جلدي .. المسافة بيني وبين الأرض شاسعة .. وتحتي صخور سوداء كثيرة النتوء الحادة، والموج يزأر بينها، وكأنه أسد جائع ينتظر فريسة ..
وخفق قلبي بشدة .. وقلت في نفسي باستسلام: «هذه هي النهاية .. ويا لها من نهاية».
لقد كنت أعد نفسي للموت في الجهاد .. وها أنا أموت ضحية طيش صبياني .. وأغمضت عيني وبدأت أدعو الله ...
لا أذكر في حياتي أنني دعوت الله أو صليت له بخشوع أكبر من ذلك .. وحين فتحت عيني، كنت على الحافة الأخرى من الطريق .. وتراجعت رويدا رويدا حتى وصلت إلى حيث كنت .. وحين أدركت أني نجوت .. جلست منهارا على صخرة، وانفجرت باكيا ..
ما كان أحلى تلك الدموع، كانت دموع الشكر والامتنان لله ..
* * *
هذه مرة ..
ومرة أخرى ذهبت للسباحة مع جماعة من رفاقي، ودخلنا نسبح حتى الميناء الطويل الذي يمتد من رمال الشاطئ إلى داخل البحر ثم ينحرف يمينا ليحجب المياه عن المرسى ..
وتسلقنا إلى قسمه الأعلى، ومشينا فوقه ننظر إلى الموج المتوحش وهو يضرب ظهر الميناء الفولاذي بقوة جبارة، ثم يتراجع ليستجمع قوته، ويعود مرة أخرى أقوى وأعنف ..
وبدأت أصوات التحدي ترتفع: «من يقفز من هنا إلى الماء؟ من يستطيع؟ تعالوا نقفز جميعا .. واحدا بعد واحد .. »
ودفعتني يد شريرة إلى الماء .. نزلت من العلو الشاهق إلى الماء وأنا أحاول أن أعدل من شكل نزولي حتى لا تكون الصدمة قاسية على جسمي، ونجحت في أن أنزل عموديا برأسي إلى تحت .. ولما كنت قد نزلت والموج هارب عن الحائط الشاهق فقد كان العمق قليلا نوعا .. فأحسست بأصابع يدي تلمسان نباتات الأرض .. وجاهدت في الصعود إلى سطح الماء فإذا موجة عاتية ترتفع في عنان السماء، وتنثني وتبدو الرغوة على صدرها الأعلى استعدادا للانكسار الهائل على الحائط ..
وتنفست بعمق ثم غطست تحتها ودفعت بكل قواي إلى الإمام حتى لا تضرب بي على الجدار .. وأحسست ببنان قدمي يلمسان الحائط برفق .. و حملني التيار الهائل بعيدا عن الجدار .. ورفعت رأسي مرة أخرى لا تنفس .. كانت الموجة العائدة في طريقها للاصطدام بموجة أخرى آتية لتضرب الحائط .. ومرة أخرى غطست إلى العمق ..
وأحسست بهدير اصطدام الموجتين فوقي كضرب مدفع جبار ..
وخرجت مرة أخرى على سطح الماء بعيدا عن الحائط، وبدأت أسبح بجنون إلى داخل البحر .. وكلما انكسرت موجة اختبأت حتى تجاوزت منطقة الخطر ..
وحينئذ فقط، أدركت أنني هالك خائر القوى لا أستطيع السباحة أكثر من بضع بردات .. ونظرت إلى الناحية التي سأعرج فيها على الميناء لأدخل المرسى، فإذا هي بعيدة عني بعد السماء ..
ومنعني الكبرياء من أن أتوجه إلى الجماعة على الميناء طالبا النجدة .. أنهم لا يستطيعون عمل شيء على كل حال .. وبدأت أضرب الماء بذراعين خائرتين فلا أتحرك إلا ميلمترات قليلة ..