تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع2 /نونبر 1962 .................... ص 74

تجارب حية: صديق لا أراه

للأستاذ: أحمد عبد السلام البقالي

(هل حدث مرة أن كنت في محنة أو شدة كبرى، أو وقفت أمام الموت وجها لوجه، فسألت الله في داخلك، بخشوع، أن يفرج عنك فكدت تراه وهو يمد إليك يده .. )

كنت، وأنا طفل صغير، أشك كثيرا في وجود الله والأنبياء والرسل، وكل ما كان يقوله لنا الكبار .. وخصوصا حين بدأت أكتشف أن كثيرا مما كانوا يقولونه لي، وأنا أصغر من ذلك، كان كذبا وبهتانا.

وأشد من ذلك أنهم كانوا يعيدون أكاذيبهم مع إخوتي الصغار بمحضري، ويغمزون لي لأنني أصبحت كبيرا أفهم ..

«للا رحمة الله» التي تأتي للأطفال حين يبكون، و «الغولة» التي تسكن البرج المجاور إلى جانب «دار الخالات» .. و «الكبراتة» التي تخطف الصغار وتنزل بهم إلى البحر إلى جانب «قصر الريسوني»، وغير ذلك كثير، كصوت المؤذن بالليل، كلها كانت تبعث الرعب في نفسي، وتوقف شعري وأنا صغير فأكف حالا عن البكاء ..

وحين بدأت أفكر، فكرت في الله .. مشيت على شاطئ البحر وحدي ساعات طويلة أتخيله في جميع الأشكال والصفات .. وحين تأخذ صورة ما شكلها النهائي في خيالي تمتد يد كبيرة معروفة بممحاة لتسمحها وتقول: كل ما خطر ببالك، فالله مخالف لذلك.

وأثور بيني وبين نفسي: «لا يوجد .. لا يوجد .. كل ما لا يستطيع العقل تصوره لا يوجد». وأجري على الرمال، وأجري حتى يتقاطر العرق على سائر جسدي .. وكأنني أريد أن أترك تلك الأفكار ورائي .. ولكنها دائما تعود ..

* * *

وفي إحدى هذه الخلوات، قادتني قدماي إلى «كهف الحمام» المطل على المحيط .. كنت أسمع عنه كثيرا، وكنت لا أعرف أين يوجد ..

كانت الأساطير العجبية عنه تتردد بيننا نحن الصغار كلما اجتمعنا في حلقة ..

«كان سيدنا سليمان يخزن فيه كنوزه .. » (ما تزال القماقم راقدة في قعره وفي أجوافها العفاريت التي سجنها الملك سليمان) «عيشة قنديشة، وحمو قيو يسكنان هناك بالنهار ويخرجان بالليل .. »

إلى آخر ما يلهب خيال الطفولة المريض .. وقررت أن أنزل إليه من فوق، أنزل من قمة الجبل متسلقا حتى فم الكهف على مستوى الماء ..

وتبعت طريقا ينزل منه البحارة إلى الشاطئ ليجلسوا على الصخور القريبة من الماء .. وانحرفت عن الطريق لأنزل رأسا بجانب الكهف .. وبعد بضع دقائق وجدتني معلقا بحائط قائم عمودي، وقد

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٦٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٦٠٧