ولم يعد في استطاعة إدريس أن يتحمل هذه اللقطات المريضة، لم يكن يريد أن يفتح أمام عواطفه اللينة ثغرة للألم باكية، وغادر الحافلة قبل أن يصل إلى المدينة الجديدة، وحين استوى واقفا على الحصى الدقيق قال في نفسه: «هذه رحلة نحو الألم، ولكن هل يرى الآخرون الأشياء كما أراها؟ وهل من جدوى في إن أراها على الشكل، من أجل أن أطرد الجذل من شغاف قلبي؟»
وبدد برجله كومة صغيرة من الحصباء، وسمع لها خشخشة حزينة، وأخذ يقنع نفسه بأن كل شيء متناقض مع الحقيقة، يجب أن يقابل بكامل الاستهتار، وفعلا، اغتصب ضحكة مفتعلة، وخطا بضع خطوات، وقف بعدها أمام المقبرة الواسعة التي توازي الأسوار التاريخية لمدينة فاس، وأحس بملل: «لم يكن مفروضا أن أمر من هنا، ومع ذلك، فها أنذا جزء من هذه القبور» وشاهد جماعة من الناس ملتحين يغوصون في جلابيب فضفاضة، ينحبون في نغم جنائزي رتيب: «لا إله إلا الله، الله أكبر ... وحين اقتربوا منه، كان النعش الذي يحملونه مسربلا بهيبة الموت، وتخيل أن كل الذين يسيرون وراء هذا النعش يستجدون أتعابهم: بعضهم يؤجلها لليوم الأخير، وبعضهم يتقاضاها نقدا، وتخلى إدريس عن كل ما يربطه بهذه الجماعة التي أفلت فيما وراء الهضبة الصغيرة، وسط هذه المقبرة، وقال: «أروع شيء يفجره فينا الموت هو الحزن، لماذا لا يحزن هؤلاء؟» وأشار إلى المشيعين، وأضاف: «هذه هي فرصتهم، إذا لم يحزنوا فلأنهم غير قادرين على استغلال الحزن»
قال إدريس هذا في تكتم، مروحا عن نفسه ببعض الخطوات اللاهية، كان يقصد من ورائها النسيان، ولكنه عندما التحمت يداه وراء ظهره، فتح المجال لنفسه ليتأمل من جديد، ولكنه أخيرا عزف عن كل تأمل ما دام ذلك يدفعه حتما إلى اكتشاف التفاهة والزيف والتناقض والعبث.
كان في هذه الأثناء ينظر بدون معنى إلى امرأة جاثية تترحم على قبر منتفخ كأنه بطن حامل، وحين ابتعد عنها صادا عن فكره كل تدبر، بدت له تلك المرأة مع القبر بثورا تمتلئ صديدا وتعمق جرح الأرض أمام السماء.
فاس ـ محمد السرغيني