ـ صحيح، ولهذا يحصل منهم على باقة شذية وقبر مريح مزخرف، كل من عجز عن الحصول على ذلك حيا، كثير من الناس عندهم يشتهون أن يموتوا.
كان هذا الصوت صادرا عن رجل يقف إزاء إدريس، ورغم أنهما لم يكونا قد تعارفا قبل هذا، إلا أن هذا التناقض الفاضح أطلق لسانيهما.
ومرت الحافلة بقبر صوفي يعيش في صفحات قليل من الكتب التاريخية، ثم بقبر سياسي دخل التاريخ من الخلف، فأحرق بسعاية آثمة، وجدد قبره اعترافا بانحرافاته، وأخيرا، مرت بجماعة من السواعد والفؤوس تنهش البقعة المنزوية وراء مرج جاف من الأعشاب التي لوحتها حرارة شمس الصيف، ورأى إدريس وجاره أشلاء دقيقة من العظام تتناثر مع ذرات التراب وهو يقفز أثر ضربات المعول الصائبة، وصاح جار إدريس:
ـ حتى العظام لم تستطع أن تجد الراحة والاحترام. فأجاب إدريس بإعجاب:
ـ يقولون، أن المصلحة العامة تزيل القداسة من كل الأشياء.
ـ كان من اللازم أن تأخذ هذه العظام الزمن الكافي من أجل أن تتحول إلى سماد، وهكذا يفيد الإنسان حيا وميتا.
ـ هذه العظام؟ لا أعتقد، أنها ملوثة بالحقد، فلا يمكن إلا أن تكون عقيمة.
ـ هي عظام قبل أن تكون شيئا أخر.
ـ هذا الصوفي، لم يكن أمامه ليحصل على الخبز إلا أن يكون صوفيا، وهذا السياسي، اشتغل مع ملوك اليمين واليسار، وعلى العموم، فسكان جميع هذه القبور قد دجلوا، فهم الذين صنعوا التاريخ ولونوه بالأحمر.
ولم يبد على جار إدريس أنه فهم هذه التأملات ولهذا اعتبرها تجريحا للماضي، وأراد أن يغير مجرى الحديث:
ـ ما هي المصلحة العامة في هدم القبور؟. فرد إدريس بتمعن:
ـ يريدون أن يختطوا طريقا مبلطا واسعا.
ـ إهانة للعظام فظيعة.
ـ أية إهانة أكثر من إظهار الموت بشكل مزر مثل هذا، ومع ذلك ففتح طريق مرصف، يخدم الناحية الجمالية، لتتمتع عيون الأحياء.
وسكت الجار محدقا في الأفق الأغبر، ووقفت الحافلة، ونزل الجار بعد أن نظر بود إلى إدريس علامة على الوداع.
كان إدريس ساهما في المدى الذي تختفي عنده القمم الصغيرة لهضاب تقف حائلا دون أن تسير العين ما وراءها، ومع أن اليبوسة قد مسحت كل بنوعة من الأعشاب التي تتسلق هذه القمم، فإن إدريس قد رأى في كل ذلك ظلاما مأساويا يشوه الأموات ويزري بالأحياء، وهتف في أعماقه: «كل شيء هنا يابس، ولعل قطرات المطر هي الأخرى صادئة: أنها تنزل ولهانة من السحب الراكضة في الأعالي ولكنها لا تبلل، لا تنعش، فهي سموم. والعظام؟ إلى أين تذهب بعد هذا الجفاف؟» وارتعد فزعا من هذا السؤال وطارده كما يطارد الإنسان حشرة مسمومة، وتقهقر كمن يجهد في تفادي صخرة تصغر وهي تتزحلق من قمة جبل، وذعر، ولكنه لم يلبث أن ركز نظراته داخل الحافلة، وثبت رجليه فوق أرضها المتأرجحة، وشد بجماع راحة يمناه على قضيب حديدي منتصب في شرايينهم: الجابي نظراته قاسية، وكلماته حادة حين يصبها على الذين يحتالون من أجل عدم الدفع عن الصغار، والسائق بقفاه العريضة الكثيرة الخطوط والأسارير، وبطنه الثخن الذي يعترض أحيانا دوران عجلة القيادة، هذا السائق يطيع صفارة الجابي بتخاذل، فينطلق بكسل، وينظر للمرئيات أمامه من وراء الزجاج السميك بكثير من البلاهة، والركاب الذين يكونون المادة الخام لشعب سيء التغذية يعيش الآن ما عاشه الآخرون قبل هذا الوقت، يهتزون مع اهتزازات الحافلة، إذا هي اصطدمت بحفرة في هذه الطريق المنسية.