دعوة الحق، س.6، ع2 /نونبر 1962 .................... ص 71
قصة العدد: المقبرة والعقم
بقلم: الأستاذ محمد السرغيني
ـ هذا خط «عين القدس»؟
وأجاب الجابي بغير اكتراث: «نعم» واستمر يوزع التذاكر ويجبي الفرنكات من غير أن تنفرج عن أسنانه آهة حسرة على المساكين الذين يدفعون ثمن التذاكر بتلكو، وانغرز إدريس وسط الزحام في مؤخر الحافلة يتناكب مع الركاب الأنانيين الذين يفسحون المجال لضخامة أجسامهم لتتمدد بحركة توسعية، ولاحظ الركاب ساخطا: «توسعيون» عينيه كانتا تتجهان نحو ساحة «بوجلود» الفائرة بمختلف العفونات: كانت هذه الساحة بمقاهيها ونتوناتها وفضلات الدواب التي تذرعها مرتعا غير آهل إلا بالإنسان الادون، وحتى سيارات المسافرين والحافلات التي ترسو فيها، لم تكن لتنبئ على أنها أعدت لغير الغوغاء.
وحين شبعت عيناه من هذه اللقطة العفنة، اتجه بهما إلى داخل الحافلة، فارتطمتا بوابل من الصرخات اللامجدية، تنصب على رؤوس أطفال يقفزون من بين ذراعي أمهاتهم، ليظهروا جذلهم بركوب الحافلة، كان الركاب من النوع الذي يتناسل كالذباب، فهو يبصق بالأحياء في غير ملل.
واستدار إدريس بحركة يأس إلى الجهة الموازية له، فزكمت أنفه زوبعة مكتومة من الغبار تنفر من كيس من «الخيش» احتل مساحة مقعدين، ولعن واضعا أصابع يسراه على ثقبتي أنفه، ليمنعها من استنشاق هذا الغبار الرائج: «قذارة، لم أعد أحسبني غير بضاعة» وأومأ إلى الجابي قائلا بغضب: «تستطيعون أن تخملوا القار إذا شئتم لكن ليكن ذلك وحده، إما أن تجمعوا بين الإنسان وهذه القذارة، فـ ... «وقفزت من بين شفتيه شتائم نابية، كبتها بكتمان، حيث وضع راحته على فمه، وتنفس ثم تنهد، وأخيرا وجد الرغبة في الكلام: «تكفينا هذه القذارة التي نمسخ بها الأشياء» وسكت، كانت سحنته الغاربة تدل على أن تحت رماده بركانه حاقدا.
وتحركت الحافلة حركة سلحفائية: كانت عضلاتها تئن كما لو كان الصدا قد نخرها منذ عهود سحيقة، وسمع إدريس صوتا متحشرجا ينبعث من كل الحديد الذي تتكون الحافلة من مجموعة، وأحس بآلام الإنسان الادون، وردد: «حتى الحافلات، حتى الحافلات يجب أن نتحرر من نير الطبقية». كانت الحافلة تقطع الطريق الذي يشق المقبرة العتيقة خارج سور البلد، وكان إدريس يزرع عينيه في الحسك اليابس والنباتات الفضولية التي تكسو البقع الخالية من القبور، والقبور المبعثرة في غير نظام: بعضا ناتيء على الأديم، وبعضها متآكل ذهبت الأيام بزخرفاته الرخيصة، وتمنى: «ألا يموت أبدا، من أجل ألا يدفن بطريقة لا إنسانية كهذه». وأحسس بسؤال ينقر برفق طلبة أذنيه، فالتفت إلى جهة الصوت بحركة مجردة عن كل معنى:
ـ هذه القبور بثور جرب في شريان مدينتنا أليس كذلك؟. ورد إدريس:
ـ ذاك دليل على أن الموت كريه
ـ عندنا فقط، الآخرون، المتحضرون، يموتون بنفس الروعة التي يعيشون بها.