تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد انتهاء الحج غادر مكة متوجها إلى اليمن أيضا ثم إلى الهند وفي طريقه مر على تركيا قال: وقصدنا تركية المعروف ببلاد الروم وبها كثير من النصارى تحت ذمة المسلمين من التركمان» قال: «وجيمع أهل هذه البلاد على مذهب الإمام أبي حنيفة (رضي) مقيمين على السنة لا قدري فيهم ولا رافضي ولا معتزلي ولا خارجي ولا مبتدع، وتلك فضيلة الله تعالى بها». إن القراء سيطمئنون إلى الأخلاق الكريمة التي كان يتصف بها ابن بطوطة لأنه يرى الخلف من أعظم البلايا الإنسانية ويعتبر الاتحاد فضلا عظيما.

وكأني بالقراء أيضا سيعرفون من هاته الملاحظة مدى التوسع العقلي الذي كان يتصف به ابن بطوطة فهو لم يكن متعصبا بدليل كونه مالكا، ومع ذلك نراه يمدح هؤلاء الذين اتحدوا على مذهب أبي حنيفة لأن الغاية من مدحه لم تكن ترجع إلى الجزئيات المذهبية، وإنما كانت ترجع إلى الاتحاد في العقيدة.

ثم ذهب بعد ذلك إلى المجر ثم إلى البلغار، وفي تحدثه عن البلغار من الزيف ما هو ظاهر قال: (*) «وكنت سمعت بمدينة البغار فأردت التوجه إليها لأرى ما ذكرى عنها من انتهاء قصر الليل بها، وقصر النهار» قال «ووصلتها في رمضان فلما صلينا المغرب أفطرنا وإذن بالعشاء في أثناء أفطارنا فصليناها وصلينا التراويح والشفع والوثر وطلع الفجر أثر ذلك وكذلك يقصر النهار بها في فصل قصره وقمت بها ثلاثا».

وما ذكر ابن بطوطة يخالفه الواقع العلمي بالنسبة إلى بلغار وهذه الغلطة وأمثالها هي التي دعت كثيرا من الناس إلى أن ينسبوا الكذب إلى هذا الرحالة العظيم.

ثم توجه بعد ذلك إلى القسطنطينية وطلب من ملكها تكفور أن يعين له من يدله على آثار المدينة حتى يتعرف إليها ويذكرها لأهل بلده ولما خرج منها زار عددا من المدن إلى أن وصل إلى بلاد خوارزم قال: وهي أكبر مدن الأتراك وأعظمها وأجملها وأضخمها لها الأسواق المليحة والشوارع الفسيحة والعمارة الكثيرة والمحاسن الأثيرة، ترتج بسكانها لكثرتهم وتموج بهم موج البحر» ثم قال: «ولهم عادة جميلة في الصلاة لم أرها لغيرهم وهي أن المؤذنين بمساجدها يطوف كل واحد منهم على دور جيران مسجده معلما لهم بحضور الصلاة فمن لم يحضر الصلاة مع الجماعة ضربه الإمام بمحضر الجماعة وفي كل مسجد درة معلقة برسم ذلك ويغرم خمسة دنانير تنفق في مصالح المسجد أو تطعم للفقراء والمساكين ويذكرون أن هاته العادة عندهم مستمرة على قديم الزمان (*).

ومن ثم ذهب إلى بخارى التي ينسب إليها إمام المحدثين قال: «وهذه المدينة كانت قاعدة ما وراء نهر جيحون من البلاد وخربها اللعين تنكيز خان النتري جد ملوك العراق، فمساجدها الآن ومدارسها وأسواقها خربة إلا القليل وأهلها أذلاء وشهادتهم لا تقبل بخوارزم وغيرها لاشتهارهم بالتعصب ودعوى الباطل وإنكار الحق وليس بها اليوم من الناس من يعلم شيئا من العلم ولا من له عناية به (*)» وهو بهاته الملاحظة قد ربط أيضا بين ماضي هاته المدينة وبين حاضرها ليصور لنا مدى الانهيار الذي طرأ على حضارة الإسلام بهاته المدينة.

ثم ذهب بعد ذلك إلى سمرقند ثم إلى خراسان وفي سنة 734 هـ وصل إلى بند آب أي الأودية الخمسة ومن ثم بدأ رحلته إلى الهند في الجزء الثاني من الكتاب.

ولما وصل إلى الهند ذكر كثيرا من أوصافها وشكل نظام الحكم بها وتحدث عن عاداتها وعن ملكها أبي المجاهد محمد بن تغلق قال: «وهذا الملك أحب الناس في إسداء العطايا وإراقة الدماء فلا يخلو بابه عن فقير يغني أو حي يقتل».

وتولى القضاء بمدينة دلهي وكان له بها جاه عظيم إلا أنه تضايق في نفسه من المعاملات القاسية التي كان يشهدها من ملك الهند فزهد في الخدمة وليس لباس أهل التصوف ولازم الإمام العابد أبا عبد الله الغاري خمسة أشهر، وأخيرا استدعاه السلطان ولابنه وحبب إليه السفر إلى الصين ليكون رسوله إلى سلطانها فقبل.

*) نفس المصدر ص 217.

*) كذلك ص 232.

*) كذلك ص 237.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥٨٣