تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي طريقه إلى الصين مر على جاوة وسومطرة وجزر المهل حيث تولى القضاء قال: «فلما وليت اجتهدت جهدي في إقامة رسوم الشرع وليست هناك خصومات كما هي في بلادنا، فأول ما غيرت من عوائد السوء مكث المطلقات في ديار المطلقين وكانت إحداهن لا تزال». ثم استقال من منصبه وذهب إلى الصين قال: «وأهل الصين كفار يعبدون الأصنام ويحرقون موتاهم كما يفعل الهنود، وملك الصين تثري من ذرية تنكيزخان، وفي كل مدينة من مدن الصين مدينة للمسلمين ينفردون بسكناهم ولهم فيها المساجد لإقامة الجمعات وسواها، وهم معظمون محترمون، وكفار الصين يأكلون لحوم الخنازير والكلاب ويبيعونها في أسواقهم، وهم أهل رفاهية وسعة عيش إلا أنهم لا يحتفلون في مطعم ولا ملبس، ثم تحدث عن نظامهم في المعاملات بالأوراق عوض الدنانير والدراهيم فقال: «وأهل الصين لا يتبايعون بدينار ولا درهم وجميع ما يتحصل ببلادهم من ذلك يسكونه قطعا، وإنما بيعهم وشراؤهم بقطع كاغد كل قطعة منها بقدر الكف مطبوعة بطابع السلطان .. وإذا تمزقت تلك الكواغد في يد إنسان حملها إلى دار كدار السكة عندنا، فأخذ عوضها جددا ودفع تلك ولا يعطي على ذلك أجرة ولا سواها، لأن الذين يتولون أعمالها لهم الأرزاق من قبل السلطان». وهكذا نرى ابن بطوطة بتحدث عن هذا النظام المالي الذي يعتبر بحق من الأنظمة الأولى التي سبقت إليها الصين قبل تعميمها فيما بعد عند كثير من الدول.

ثم تحدث عن عجائب الصناعات والفنون في الصين فقال: (*) «وأما التصوير فلا يجاريهم أحد في إحكامه من الروم ولا من سواهم فإن لهم فيه اقتدارا عظيما ثم قال: «ومن عجيب ما شاهدت من ذلك أنني ما دخلت قط مدينة من مدنهم ثم عدت إليها إلا ورأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في الحيطان والكواغد موضوعة في الأسواق». ولقد أطنب في الحديث عن الصين ثم رحل عنها متوجها إلى مكة فوصل إليها في الثاني والعشرين من شعبان 749 هـ، وقضى بها شهر رمضان ثم انتقل إلى القاهرة، ومنها إلى تونس ثم إلى بلاد المغرب فوصل حضرة فاس في أواخر شعبان من عام 750 هـ وتحدث عن اتصاله بأبي عنان ووزيره ابن ودرار وهنا انتهت الرحلة الأولى الطويلة، ثم بدأ رحلته الثانية إلى بلاد الأندلس فوصل إلى جبل الفتح وهنا ذكر الآثار التي قام بها المرينيون بهذا الجبل العظيم والاهتمام الذي كان يوليه أبو عنان للمحافظة عليه تحت حوزة الإسلام، وتطرق ابن جزي نفسه إلى الإسهاب في الموضوع ومن أعجب ما ذكر قوله يتحدث عن أبي عنان: (*) «وبلغ اهتمامه بأمور الجبل أن أمر أيده الله ببناء شكل يشبه شكل الجبل المذكور فمثل فيه أشكال أسواره وأبراجه وحصنه وأبوابه ودار صنعته ومساجده ومخازن عدده وأصرية زرعه وصورةت الجبل وما اتصل به من التربة الحمراء فصنع ذلك بالمشور السعيد فكان شكلا عجيبا أتقنه الصناع إتقانا يعرف قدره من شاهد الجيل وشاهد هذا المثال، وما ذلك إلا لتشوقه أيده الله إلى استطلاع أحواله وتهممه بتحصينه وإعداده والله تعالى يجعل نصر الإسلام بالجزيرة الغربية على يديه .. الخ» ثم ذهب بعد ذلك إلى مدينة رندة فالتقى بابن عمه الفقيه ابن القاسم القاضي محمد بن يحيى ابن بطوطة ثم ذهب إلى مالقة، قال: «فوصلنا إلى مدينة مالقة إحدى قواعد الأندلس وبلادها الحسان جامعة بين مرافق البر والبحر كثيرة الخيرات والفواكه وبها يصنع الفخار المذهب العجيب، ثم سافر إلى مدينة بلش ثم غرناطة ومنها رجع إلى المغرب مارا على سبتة وسلا، وذهل إلى مراكش لزيارتها ثم رجع منها إلى فاس.

ولم تكن هاته الرحلة طويلة لما كان عليه الحال في الأندلس من صغر رقعتها وانقسام مدنها بين المغرب والملوك النصريين.

ومن فاس خرج للمرة الثالثة ليقوم برحلة إلى السودان، وكانت هاته الرحلة بأمر من أبي عنان ليمكنه من أخبار هاته الناحية من المعمور وليقوم له بالدعاية هناك خصوصا بعد الوقائع العظمى التي حدثت بين أبي عنان وأبيه أبي الحسن، خرج من فاس وتوجه إلى سجلماسة وفي غرة شهر المحرم من سنة 753 هـ غادرها وذهب إلى تغازي، قال: (*) «ومن عجائبها

*) نفس المصدر ج 2 ص 159.

*) كذلك ج 2 ص 160.

*) كذلك ج 2 ص 187.

*) نفس الرحلة ج 2 ص 189.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥٨٤