تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأهل البصرة على مذهب السنة والجماعة ولا يخاف من يفعل مثل فعلي عندهم ولو جرى مثل هذا بمشهد علي أو مشهد الحسين أو بالحلة أو البحرين أو قم أو قاشان أو ساوة أو آوة أو طوس لهلك فاعله لأنهم رافضة غالية.

هو بهذه الملاحة يريد أن يثبت أن تحرك الصومعة ليس بناتج عن هاته المعتقدات وإنما هو أمر خارج عن ذلك، ولعل لهندسة البناء أثر في ذلك بدليل توقف تحركها على هز المقبض ولما رأى ابن جزي غرابة هاته القصة أتى بما يوازيها. فقال: «قد عاينت بمدينة برشانة من وادي المنصورة من بلاد الأندلس حاطها الله صومعة تهتز من غير أن يذكر لها أحد من الخلفاء أو سواهم وهي صومعة المسجد الأعظم بها وبناؤها ليس بالقديم».

وعند خروجه من البصرة زار عددا كبيرا من المدن العراقية وفي طريقه إلى الكوفة قال: «ومن عادتي في سفري أن لا أعود على طريق سلكتها ما أمكنني ذلك» وبهذا التصريح نعرف حرص ابن بطوطة على الاستفادة من رحلته مهما أمكنه الأمر فهو حريص على زيارة أكبر عدد من المدن والقرى والولايات.

ولما وصل إلى الكوفة قال: (*) هي إحدى أمهات البلاد العراقية المتميزة فيها بفضل المزية مثوى الصحابة والتابعين ومنزل العلماء والصالحين، وحضرة علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، إلا أن الخراب استولى عليها بسبب أيدي العدوان التي امتدت إليها وفسادها من عرب خفاجة المجاورين لها فإنهم يقطعون طريقها ولا سور عليها وبناؤها بالأجر وأسواقها حسان».

وفي الكوفة رأى قبر ابن ملجم قاتل علي كرم الله وجهه، وقد اسود بسبب إحرام أهل الكوفة لترابه مدة سبعة أيام في كل سنة انتقام للإمام وسخطا على قاتله.

ولما غادرها مر على كربلاء إلى أن وصل بغداد التي قال عنها أنها مدينة دار السلام وحضرة الإسلام، ثم نقل وصف ابن جبير لها ثم تحدث عن ملكها وتاريخها بعد زيارته لها انتقل إلى الموصل ثم إلى جدة ومنها رجع إلى مكة للمرة الثانية فوقف حاجا يوم الخميس من سنة 727 هـ ومكث بها مجاورا فحج سنة 728 وسنة 729 هـ.

وفي موسم سنة 730 هـ وقعت فتنة بمكة اضطر بسببها أن يغادرها وتوجه إلى اليمن فزار عددا من مدنها وذكر سلطانها ولما وصل إلى مدينة ظفار قال (*): «ومن الغرائب أن أهل هذه المدينة أشبه الناس بأهل المغرب في شؤونهم، نزلت بدار الخطيب بمسجدها الأعظم وهو عيسى بن علي كبير القدر كريم النفس فكان له جوار مسميات بأسماء خدم المغرب، إحداهن إسمها فخيتة والأخرى زاد المال، ولم أسمع هذه الأسماء في بلد سواها وأكثر أهلها رؤوسهم مكشوفة لا يجعلون عليها العمائم، وفي كل دار من دورهم سجادة الخوص معلقة في البيت يصلي عليها صاحب البيت كما يفعل أهل المغرب، وأكلهم الذرة وهذا التشابه كله مما يقوي القول بأن صنهاجة وسواهم من قبائل المغرب أصلهم من حمير».

وما ذكر ابن بطوطة هو أقوى الاتجاهات في إرجاع سكان المغرب إلى العرب خصوصا بعد ما كتب علماء الحضارة أن هناك تجانسا بين التصميمات المعمارية في اليمن والمغرب (*).

ولما وصل إلى عمان زار عاصمتها نزوى ولاحظ أن أهلها أباضية المذهب ويصلون يوم الجمعة ظهرا أربعا، فإذا فرغوا منها قرأ الإمام ءايات من القرءان ونثر كلاما يرضي فيه عن أبي بكر وعمر ويسكت عن عثمان وعلي قال: «وهم إذا أرادوا ذكر علي (رضي) كنوا عنه بالرجل فقالوا ذكر عن الرجل أو قال الرجل ويرضون عن الشقي اللعين ابن ملجم، ويقولون فيه العبد الصالح قامع الفتنة» وهو بنقله لهذه الصورة قد أعطانا وجهة أخرى تناقض ما رأيناه في الكوفة تمام المناقضة فهؤلاء يعتبرون ابن ملجم قامعا للفتنة وأولئك يحرقون قبره انتقاما وتلك سنة الله لا مبدل لها.

وبعد خروجه من عمان توجه إلى هجر ومنها رجع إلى مكة حيث حج للمرة الخامسة في سنة 732 هـ

*) نفس المصدر ص 137.

*) ص 165.

*) إقرأ بحثا كتبه الأستاذ عبد العزيز بن عبد الله بمجلة البينة العدد الأول.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٥٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٥٨٢