مثل ذلك الصحن» وهنا انطلق ابن بطوطة يتحدث عن استحسانه لهذا النوع من الإحسان فقال: «وهذا من أحسن الأعمال فإن سيد الغلام لابد له أن يضربه على كسر الصحن أو ينهره وهو أيضا ينكسر قلبه ويتغير لأجل ذلك فكان هذا الوقف جبرا للقلوب جزى الله خيرا من تسامت همته في الخير إلى مثل هذا».
ثم ذكر المؤلف دراسته الشخصية في دمشق وأخذه العلم عن كثير من مدرسيها ومدرساتها ولما غادر دمشق مر على بصرى وتبوك والمدينة المنورة ومنها انتقل إلى مكة المكرمة فذكر مسجدها ووصف الكعبة ثم ذكر عادة أهلها في صلواتهم ومواضع أئمتهم فقال: «من عادتهم أن يصلي أول الأئمة، أمام الشافعية وهو المقدم من قبل أولي الأمر .. ويصلي بعده إمام المالكية في محراب قبالة الركن اليماني، ويصلي أمام الحنبلية معه في وقت واحد مقابلا ما بين الحجر الأسود والركن اليماني، ثم يصلي أمام الحنفية» قال: «وترتيبهم هكذا في الصلوات الأربع وأما صلاة المغرب فإنهم يصلونها في وقت واحد كل إمام يصلي بطائفته لئلا يدخل عليه السهو».
وفي هذه الصورة قد نقل إلينا مظهرا من المظاهر التي تكرهنا في الخلاف المذهبي بالنسبة للعبادات وكأنه يومئ إلى ذلك بقوله ويدخل على الناس من ذلك سهو وتخليط.
ومن أعظم ما يمتاز به ابن بطوطة وصف أحوال الملوك والأمراء مثل ما يفعله بعض المؤرخين وبذلك تعتبر رحلته دراسة لأحوال المجتمعات العامة في عصر قال: (*) «وأهل مكة لهم ظرف ونظافة في الملابس، وأكثر لباسهم البياض فنرى ثيابهم أبدا ناصعة ساطعة ويستعملون الطيب كثيرا ويكتحلون ويكترون السواك بعيدان الأراك الأخضر، ونساء مكة فائقات الحسن بارعات الجمال ذوات صلاح وعفاف وهن يكثرون التطيب حتى أن إحداهن لتبيت طاوية وتشتري بقوتها طيبا، وهن يقصدن الطواف بالبيت في كل ليلة جمعة فيأتين في أحسن زي وتغلب على الحرم رائحة طيبهن وتذهب المرأة فيبقى أثر الطيب بعد ذهابها عبقا»
وفي يوم الخميس سنة 726 هـ وقف وقفته الأولى، وبعد انتهاء موسم الحج ذهب إلى العراق وفي طريقه لاحظ وجود عدد كبير من الآبار والمصانع المائية من المآثر التي خلفتها زبيدة امرأة هارون الرشيد فقال (*): « .. ولولا عنايتها بهذه الطريق ما سلكها أحد».
ولما وصل إلى البصرة ذكر أن أهلها يتحلون بمكارم الأخلاق ويعنون بالغريب فلا يشعر بينهم بوحشة، إلا أنه لاحظ عند دخوله إلى مسجد أمير المؤمنين علي ليصلي الجمعة أن الخطيب يلحن في خطبته فعز عليه ذلك وعادت به الذكريات إلى أيام مجدها العلمي فقال (*): « .. شهدت مرة بهذا المسجد صلاة الجمعة فلما قام الخطيب به إلى الخطبة وسردها لحن فيها لحنا كثيرا جليا فعجبت من أمره وذكرت ذلك للقاضي حجة الدين فقال لي أن هذا البلد لم يبق به من يعرف شيئا من علم النحو، وهذه عبرة لم تفكر فيها، سبحانه مغير الأشياء ومقلب الأمور هذه البصرة التي إلى أهلها انتهت رياسة النحو وفيها أصله وفرعه ومن أهلها أمامه الذي لا ينكر سبقه لا يقيم خطيبها خطبة الجمعة على دوبه عليها».
ومن الطرائف التي ذكرها حول هذا المسجد قوله: ولهذا المسجد سبع صوامع إحداها الصومعة التي تتحرك بزعمهم عند ذكر علي بن أبي طالب (رضي) تحركي وهز المقبض فتحركت الصومعة، فجعلت أنا يدي في المقبض وقلت له وأنا أقول برأس أبي بكر خليفة رسول الله (ص) تحركي وهززت المقبض فتحركت الصومعة فعجبوا من ذلك،
*) نفس المصدر ص 91
*) كذلك ص 108
*) كذلك ص 116.