كتاب مختوم، فلما مر بها قالت لها سيدي أتحسن القراءة؟ قال: نعم. قالت له هذا الكتاب وجهه إلي والدي وأحب أن تقرأه علي، فقال لها نعم، فلما فتح الكتاب قالت له يا سيدي إن لولدي زوجة وهي بأسطوان الدار فلو تفضلت بقراءته بين بابي الدار بحيث تسمعها، فأجابها لذلك، فلما توسط بين البابين غلقت العجوز الباب وخرجت المرأة وجواريها فتعلقن به وأدخلنه إلى داخل الدار وروادته المرأة عن نفسه فلما رأى أن لا خلاص له قال لها إني حيث تريدين فأريني بيت الخلاء، فأرته إياه فأدخل معه الماء وكانت عنده موسى حديدة فحلق لحيته وحاجبيه وخرج عليها، فاستقبحت هيئته واستنكرت فعله وأمرت بإخراجه وعصمه الله بذلك فبقي على هيئته فيما بعد. وصار كل من يسلك طريقته يحلق رأسه ولحيته وحاجبيه.
واستمر في سفره بعد ذلك إلى أن بلغ إلى مدينة مصر (*) فقال: «هي أم البلاد وقرارة فرعون ذي الأوتاد ذات الأقاليم العريضة والبلاد الأريضة المتناهية في كثرة العمارة المتباهية بالحسن والنضارة والقادر، وبها ما شئت من عالم وجاهل وجاد وهازل» وأطنب في وصفها وفي الحديث عنها فذكر نيلها ومساجدها وعلماءها وأمراءها وأهرامها وتحدث عن يوم المحمل بها.
ومن طريف ما ذكر زيارته لمدينة منية بن خصيب قال: «وهي مدينة كبيرة الساحة متسعة المساحة مبنية على شاطئ النيل وحق حقيق لها على بلاد الصعيد التفضيل، بها المدارس والمشاهد والزوايا والمساجد وكانت في القديم منية لخصيب عامل مصر»
ثم قال: «يذكر أن أحد الخلفاء من بني العباس رضي الله عنهم غضب على أهل مصر فآلى أن يولي عليهم أحقر عبيده وأصغرهم شأنا قصدا لإرذالهم والتنكيل بهم، وكان خصيب أحقرهم إذ كان يتولى تسخين الحمام، فخلع عليه وأمره على مصر وظنه أنه يسير فيهم سيرة سوء ويقصدهم بالإذاية حسبما هو المعهود ممن ولي من غير عهد بالعز، فلما استقر خصيب بمصر سار في أهلها أحسن سيرة وشهر بالكرم والإيثار فكان أقارب الخلفاء وسواهم يقصدونه فيجزل لهم ويعودون إلى بغداد شاكرين لما أولاهم، وأن الخليفة افتقد بعض العباسيين وغاب عنه مدة ثم أتاه فسأله عن مغيبه فأخبره أنه قصد خصيبا وذكر له ما أعطاه خصيب وكان عطاء جزيلا فغضب الخليفة وأمر بسمل عيني خصيب وإخراجه من مصر إلى بغداد وأن يطرح في أسواقها، فلما ورد الأمر بالقبض عليه حيل بينه وبين دخول منزله وكانت بيده ياقوتة عظيمة الشأن فخباها عنده وخاطها في ثوب له ليلا وسملت عيناه وطرح في أسواق بغداد فمر به بعض الشعراء، فقال له يا خصيب إني كنت قصدتك من بغداد إلى مصر مادحا لك بقصيدة فوافقت انصرافك عنها وأحب أن تسمعها، فقال كيف بسماعها وأنا على ما تراه فقال إنما قصدي سماعك لها وإما العطاء فقد أعطيت الناس وأجزلت جزاك الله خيرا، ففعل فأنشده:
أنت الخصيب وهذه مصر
قتدفقا فكلاكما بحر
فلما أتى على آخرها قال له أفتق هذه الخياطة ففعل ذلك فقال له خذ الياقوتة فأبى فأقسم عليه أن يأخذها فأخذها وذهب بها إلى سوق الجوهريين، فلما عرض عليهم قالوا له أن هذه لا تصلح إلا للخليفة فرفعوا أمرها إلى الخليفة فأمر الخليفة بإحضار الشاعر واستفهمه عن شأن الياقوتة فأخبره بخبرها فتأسف على ما فعله بخصيب وأمر بمثوله بين يديه وأجزل له العطاء وحكمه فيما يريد فرغب أن يعطيه هذه المنية ففعل ذلك وسكنها خصيب إلى أن توفي وأورتها عقبه إلى أن انقرضوا». قال ابن بطوطة: «وكان قاضي هذه المنية أيام دخولي إليها فخر الدين النويري المالكي، وواليها شمس الدين أمير خير كريم دخلت يوما الحمام بهذه البلدة فرأيت بها الناس لا يستترون فعظم ذلك على واتيته فأعلمته بذلك فأمرني أن لا أبرح وأمر بإحضار المكترين للحمامات وكتب عليهم العقود أن متى دخل أحد الحمام دون مئزر فإنهم يؤاخذون على ذلك واشتد عليهم أعظم الاشتداد ثم انصرفت عنه».
ومن هذه الملاحظة التي قدمها ابن بطوطة نعرف. قوة شخصيته وكيف كان يحاول أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يستغل سلطة الولاة للمصلحة الإسلامية العليا.
*) نفس الرحلة الجزء الأول ص 19.
*) ص 27