دعوة الحق، س.6، ع2 /نونبر 1962 .................... ص 44
مشاهد طريفة من رحلة إبن بطوطة
للأستاذ: محمد عبد العزيز الدباغ
بعد أن قدمت للقراء حديثا حول رحلة ابن بطوطة وحول كاتبها ابن جزي ابن جزي أرى من واجبي تتميما للفائدة أن أقدم عرضا موجزا لبعض مشاهدها الطريفة.
فقد غادر ابن بطوطة مدينة طنجة في ثاني رجب سنة 725 هـ ومر على الجزائر ثم تونس فطرابلس ومنها توجه إلى الإسكندرية التي وصفها بقوله: (1) «هي النغر المحروس والقطر المأنوس العجيبة الشأن، الأصيلة البنيان، بها ما شئت من تحصين وتحسين، ومآثر دنيا ودين، وكرمت مغانيها ولطفت معانيها، وجمعت بين الضخامة والأحكام مبانيها، فهي الفريدة تجلى سناها والخريدة تجلى في حلاها الزاهية بجمالها المغرب، الجامعة لمفترق المحاسن لتوسطها بين المشرق والمغرب، فكل بديعة بها اجتلاؤها، وكل طرفة فإليها انتهاؤها، وقد وصفها الناس فأطنبوا في عجابئها فأغربوا وحسب المشرف إلى ذلك ما سطره أبو عبيد في كتاب المسالك». وذكر من غرائب هذه المدينة عمود الرخام الهائل الذي بخارجها المسمى عندهم بعمود السواري قال: «وهو متوسط في غابة نخل وقد امتاز عن شجراتها سموا وارتفاعا وهو قطعة واحدة محكمة النحت قد أقيم على قواعد حجارة مربعة أمثال الدكاكين العظيمة ولا يعرف كيفية وضعه هنالك ولا يتحقق من وضعه» قال ابن جزي: «أخبرني بعض أشياخي الرحالين أن أحد الرماة بالإسكندرية صعد إلى أعلى ذلك العمود ومعه قوسه وكنانته واستقر هنالك وشاع خبره فاجتمع الجم الغفير لمشاهدته وطال العجب منه وخفي على الناس وجه احتياله وأظنه كان خائفا أو طالب حاجة فأنتج له فعله الوصول إلى قصده لغرابة ما أتى به، وكيفية احتياله في صعوده أنه رمى بنشابة قد عقد فوقها خيطا طويلا وعقد بطرف الخيط حبلا وثيقا فتجاوزت النشابة أعلى العمود معترضة عليه ووقعت على أعلى العمود فجذبه حتى توسط الحبل أعلى العمود مكان الخيط، فأوسطه من إحدى الجهتين في الأرض وتعلق به صاعدا من الجهة الأخرى واستقر بأعلاه وجذب الحبل واستصحب من احتمله فلم يهتد الناس لحيلته وعجبوا من شأنه».
وبعد خروجه من الإسكندرية مر على عدد من المدن والقرى ثم وصل إلى دمياط قال (3): «وهي مدينة فسيحة الأقطار متنوعة الثمار عجيبة الترتيب آخذة من كل حسن بنصيب» قال «وإذا دخلها أحد لم يكن له إلى الخروج عنها إلا بطابع الوالي، فمن كان من الناس معتبرا طبع له في قطعة كاغد يستظهر به لحراس بابها، وغيرهم بطبع على ذراعه فيستظهر به»
قال ابن بطوطة: «ودمياط هذه حديثة البناء والمدينة القديمة هي التي خربها الإفرنج على عهد الملك الصالح، وبها زاوية الشيخ جمال الدين الساوي قدوة الطائفة المعروفة بالقرندرية، وهم الذين يحلقون لحاحهم وحواجبهم،» قال ويذكر أن السبب الداعي للشيخ جمال الدين الساوي إلى حلق لحيته وحاجبيه أنه كان جميل الصورة حسن الوجه فعلقت به امرأة من أهل ساوة وكانت تراسله وتعارضه في الطريق وتدعوه وهو يمتنع ويتهاون فلما أعياها أمره دست له عجوزا تصدت له إزاء دار له طريقه إلى المسجد وبيدها
*) رحلة ابن بطوطة الطبعة الثانية ص 8 الجزء الأول
*) نفس المصدر ص 9.
*) كذلك ص 17