وللعمل على التقيد بقواعد الإسلام وكذلك كان دأبه في رحلته فإننا نراه في كثير من المواضيع التي تحدث فيها يقوم بذلك.
ولما خرج من منية ابن خصيب استمر في طريقه فزار القدس وبلاد الشام، ومن طريف ما يذكر أنه لما وصل إلى المعرة تحدث عن جماعة من الأرفاض الذين يبغضون الصحابة العشرة ويكرهون اسم عمر، والمعرة هي التي ينسب إليها الشاعر أبو العلاء المعري وكثير سواه من الشعراء قال ابن جزي: «وإنما سميت بمعرة النعمان لأن النعمان بن بشير الأنصاري صاحب رسول الله (ص) توفي له ولد أيام إمارته على حمص فدفنه بالمعرة فعرفت به، وكانت قبل ذلك تسمى ذات القصور وقيل أن النعمان جبل مطل عليها سميت به» قال ابن بطوطة: «(*) .. والمعرة مدينة صغيرة حسنة أكثر أشجارها التين والفستق ومنها يحمل إلى مصر والشام، وبخارجها على فرسخ منها قبر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ولا زاوية عليه ولا خديم له، وسبب ذلك أنه وقع في بلادهم صنف من الرافضة أرجاس يبغضون العشرة من الصحابة رضي الله عنهم ولعن مبغضهم ويبغضون كل من اسمه عمر وخصوصا عمر بن عبد العزيز (رضي) لما كان من فعله في تعظيم علي (رضي)، ثم سرنا منها إلى مدينة سرمين وهي حسنة كثيرة البساتين وأكثرها الزيتون وبها يصنع الصابون المطيب لغسل الأيدي، ويصبغونه بالصفرة والحمرة ويصنع بها ثياب قطن حسان تنسب إليها وأهلها سبابون يبغضون العشرة ومن العجب أنهم لا يذكرون لفظ العشرة وينادي سماسرتهم بالأسواق على السلع فإذا بلغوا إلى العشرة قالوا تسعة وواحد وحضر بها بعض الأتراك يوما فسمع سمسارا ينادي تسعة وواحد فضربه بالدبوس على رأسه وقال: «قل عشرة بالدبوس، وبها مسجد جامع فيه تسع قباب ولم يجعلوها عشرة قياما بمذهبهم القبيح».
وفي هذا العرض الطريف يصور ابن بطوطة جانبا من الجوانب التي أضرت بالإسلام وكانت سبب الانحلال الذي أصابه فإن هذا التعصب الطائفي الذي انتشر بين العوام والذي أدخل البغض في القلوب غير الوجهة السديدة وجعل من المسلمين سادة العالم أمما متفرقة متناحرة، ولذلك سنرى ابن بطوطة في بعض مشاهداته يستنكر هاته الفرقة ويحبذ الاتحاد.
ومن سرمينا توجه إلى حلب ثم إلى تزين تم إلى قنسرين ثم أنطاكية ولما خرج من هاته المدينة مر على عدد من الحصون كانت تقيم بها جماعة من الشيعة يستغلهم ملك مصر لأغراضه السياسية، قال ابن بطوطة: «وهذه الحصون لطائفة يقال لهم الإسماعيلية ويقال لهم الفداوية ولا يدخل عليهم أحد من غيرهم وهم سهام الملك الناصر بهم يصيب من يعدو عنه من أعدائه بالعراق وغيرها ولهم المرتبات وإذا أراد السلطان أن يبعث أحدهم إلى اغتيال عدو له أعطاه ديته فإن سلم بعد تأتي ما يراد منه فهي له وأن أصيب فهي لولده ولهم سكاكين مسمومة يضربون بها من بعثوا إلى قتله وربما لم تصح حيلتهم فقتلوا (*)». ثم جد في رحيله إلى دمشق في شهر رمضان سنة 726 هـ فوصفها ثم ذكر جامعها المعروف بجامع بني أمية الذي تولى بناءه الوليد بن عبد الملك ولاحظ تعدد الأئمة به بحيث تقام الصلوات مرارا متعددة في اليوم حسب تعدد المذاهب الإسلامية، ثم ذكر المعلمين والمدرسين بهذا الجامع فقال (*): «ولهذا المسجد حلقات التدريس في فنون العلم والمحدثون يقرأون بالأصوات الحسنة صباحا ومساء وبه جماعة من المعلمين لكتاب الله يستند كل واحد منهم إلى سارية من سواري المسجد يلقن الصبيان ويقرئهم، وهم لا يكتبون القرءان في الألواح تنزيها لكتاب الله تعالى وإنما يقرأون القرءان تلقينا، ومعلم الخط غير معلم القرءان يعلمهم بكتب الأشعار وسواها فينصرف الصبي من التعليم إلى التكتيب وبذلك جاد خطه لأن المعلم للخط لا يعلم غيره».
وبوصف هذه الظاهرة الثقافية نعرف مدى اهتمام ابن بطوطة بدراسة المجتمعات فهو يتحدث في كل مناسبة عن أحوال البلاد التي يزورها سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية أو العقائدية.
وفي دمشق تحدث عن ابن تيمية فقال: «وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلية تقي الدين
*) نفس الرحلة ص 39.
*) نفس المصدر ص 45.
*) ص 56.